البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٠ - ذكر وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون
لعنه اللَّه، و أشياء أخر من التنقيص بالأنبياء و مخالطته أرباب الريب من الباجريقية و غيرهم من الاتحادية عليهم لعائن اللَّه، و وقع منه في المجلس من إساءة الأدب على القاضي الحنبلي و تضمن ذلك تكفيره من المالكية أيضا، فادعى أن له دوافع و قوادح في بعض الشهود، فرد إلى السجن مقيدا مغلولا مقبوحا، أمكن اللَّه منه بقوته و تأييده، ثم لما كان يوم الثلاثاء الحادي و العشرين من ذي القعدة أحضر عثمان الدكاكى المذكور إلى دار السعادة و أقيم إلى بين يدي الأمراء و القضاة و سئل عن القوادح في الشهود فعجز فلم يقدر، و عجز عن ذلك فتوجه عليه الحكم، فسئل القاضي المالكي الحكم عليه فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم حكم بإراقة دمه و إن تاب، فأخذ المذكور فضربت رقبته بدمشق بسوق الخيل، و نودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية، و كان يوما مشهودا بدار السعادة، حضر خلق من الأعيان و المشايخ، و حضر شيخنا جمال الدين المزي الحافظ، و شيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي، و تكلما و حرضا في القضية جدا، و شهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة، و كذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقى الدين بن تيمية، و خرج القضاة الثلاثة المالكي و الحنفي و الحنبلي، و هم نفذوا حكمه في المجلس فحضروا قتل المذكور و كنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره.
و في يوم الجمعة الثامن و العشرين من ذي القعدة أفرج عن الأميرين العقيلين بالقلعة و هما طنبغا حجا و الجىبغا، و كذلك أفرج عن خزاندارية تنكز الذين تأخروا بالقلعة، و فرح الناس بذلك.
ذكر وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون
في صبيحة يوم الأربعاء السابع و العشرين من ذي الحجة قدم إلى دمشق الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى فخرج نائب السلطنة و عامة الأمراء لتلقيه، و كان قدومه على خيل البريد، فأخبر بوفاة السلطان الملك الناصر، كانت وفاته يوم الأربعاء آخره. و أنه صلى عليه ليلة الجمعة بعد العشاء و دفن مع أبيه الملك المنصور على ولده أنوك، و كان قبل موته أخذ العهد لابنه سيف الدين أبى بكر و لقبه بالملك المنصور، فلما دفن السلطان ليلة الجمعة حضره من الأمراء قليل، و كان قد ولى عليه الأمير علم الدين الجاولي، و رجل آخر منسوب إلى الصلاح يقال له الشيخ عمر بن محمد بن إبراهيم الجعبريّ، و شخص آخر من الجبابرية، و دفن كما ذكرنا، و لم يحضر ولده ولى عهده دفنه، و لم يخرج من القلعة ليلتئذ عن مشورة الأمراء لئلا يتخبط الناس، و صلى عليه القاضي عز الدين بن جماعة إماما، و الجاولي و ايدغمش و أمير آخر و القاضي بهاء الدين بن حامد بن قاضى دمشق السبكى، و جلس الملك المنصور سيف الدنيا و الدين أبو المعالي أبو بكر على سرير المملكة.
و في صبيحة يوم الخميس الحادي و العشرين من ذي الحجة سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، بايعه