البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥١ - صفة عود الملك الناصر
بالقاهرة بطلب الصوفية له، و رضوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرة واحدة، و عزل عنها الشيخ كريم الدين الايكى، لأنه عزل منها الشهود، فثاروا عليه و كتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرسم بصرفه عنهم، و عومل بنظير ما كان يعامل به الناس، و من جملة ذلك قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية و افتراؤه عليه الكذب، مع جهله و قلة ورعه، فعجل اللَّه له هذا الخزي على يدي أصحابه و أصدقائه جزاء وفاقا.
و في شهر رجب كثر الخوف بدمشق و انتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها، و سبب ذلك أن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكرك قاصدا دمشق يطلب عوده إلى الملك، و قد مالأه جماعة من الأمراء و كاتبوه في الباطن و ناصحوه، و قفز إليه جماعة من أمراء المصريين، و تحدث الناس بسفر نائب دمشق الأفرم إلى القاهرة، و أن يكون مع الجم الغفير، فاضطرب الناس و لم تفتح أبواب البلد إلى ارتفاع النهار، و تخبطت الأمور، فاجتمع القضاة و كثير من الأمراء بالقصر و جددوا البيعة للملك المظفر، و في آخر نهار السبت غلقت أبواب البلد بعد العصر و ازدحم الناس بباب النصر و حصل لهم تعب عظيم، و ازدحم البلد بأهل القرى و كثر الناس بالبلد، و جاء البريد بوصول الملك الناصر إلى الخمان، فانزعج نائب الشام لذلك و أظهر أنه يريد قتاله و منعه من دخول البلد، و قفز إليه الأميران ركن الدين بيبرس المجنون، و بيبرس العلمي، و ركب إليه الأمير سيف الدين بكتمر حاجب الحجاب يشير عليه بالرجوع، و يخبره بأنه لا طاقة له بقتال المصريين، و لحقه الأمير سيف الدين بهادرا يشير عليه بمثل ذلك، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب و أخبر أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكرك، فسكن الناس و رجع نائب السلطنة إلى القصر، و تراجع بعض الناس إلى مساكنهم، و استقروا بها.
صفة عود الملك الناصر
«محمد بن الملك المنصور قلاوون إلى الملك و زوال دولة المظفر الجاشنكير بيبرس و خذلانه و خذلان شيخه نصر المنبجى الاتحادى الحلولى» لما كان ثالث عشر شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق، فساق إليه الأميران سيف الدين قطلوبك و الحاج بهادر إلى الكرك، و حضاه على المجيء إليها. و اضطرب نائب دمشق و ركب في جماعة من أتباعه على الهجن في سادس عشر شعبان و معه ابن صبح صاحب شقيف أربون، و هيئت بدمشق أبهة السلطنة و الاقامات اللائقة به، و العصائب و الكوسات، و ركب من الكرك في أبهة عظيمة، و أرسل الأمان إلى الأفرم، و دعا له المؤذنون في المئذنة ليلة الاثنين سابع عشر شعبان، و صبح بالدعاء له و السرور بذكره، و نودي في الناس بالأمان، و أن يفتحوا دكاكينهم