البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١ - وقعة قازان
شرهم عن العباد و البلاد، و نادى قبجق في الناس قد أمنت الطرقات و لم يبق بالشام من التتر أحد، و صلى قبجق يوم الجمعة عاشر رجب بالمقصورة، و معه جماعة عليهم لأمة الحرب من السيوف و القسي و التراكيش فيها النشاب، و أمنت البلاد، و خرج الناس للفرجة في غيض السفرجل على عادتهم فعاثت عليهم طائفة من التتر، فلما رأوهم رجعوا إلى البلد هاربين مسرعين، و نهب بعض الناس بعضا و منهم من ألقى نفسه في النهر، و إنما كانت هذه الطائفة مجتازين ليس لهم قرار، و تقلق قبجق من البلد ثم إنه خرج منها في جماعة من رؤسائها و أعيانها منهم عز الدين ابن القلانسي ليتلقوا الجيش المصري و ذلك أن جيش مصر خرج إلى الشام في تاسع رجب و جاءت البريدية بذلك، و بقي البلد ليس به أحد، و نادى أرجواش في البلد احفظوا الأسوار و أخرجوا ما كان عندكم من الاسلحة و لا تهملوا الأسوار و الأبواب، و لا يبيتن أحد إلا على السور، و من بات في داره شنق، فاجتمع الناس على الأسوار لحفظ البلاد، و كان الشيخ تقى الدين بن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر و القتال و يتلو عليهم آيات الجهاد و الرباط.
و في يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بدمشق لصاحب مصر ففرح الناس بذلك، و كان يخطب لقازان بدمشق و غيرها من بلاد الشام مائة يوم سواء. و في بكرة يوم الجمعة المذكور دار الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه) و أصحابه على الخمارات و الحانات فكسروا آنية الخمور و شققوا الظروف و أراقوا الخمور، و عزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش، ففرح الناس بذلك، و نودي يوم السبت ثامن عشر رجب بأن تزين البلد لقدوم العساكر المصرية، و فتح باب الفرج مضافا إلى باب النصر يوم الأحد تاسع عشر رجب، ففرح الناس بذلك و انفرجوا لأنهم لم يكونوا يدخلون إلا من باب النصر، و قدم الجيش الشامي صحبة نائب دمشق جمال الدين آقوش الأفرم يوم السبت عاشر شعبان، و ثانى يوم دخل بقية العساكر و فيهم الأميران شمس الدين قراسنقر المنصوري و سيف الدين قطلبك في تجمل. و في هذا اليوم فتح باب العريش، و فيه درس القاضي جلال الدين القزويني بالأمينية عوضا عن أخيه قاضى القضاة إمام الدين توفى بمصر، و في يوم الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء تكامل دخول العساكر صحبة نائب مصر سيف الدين سلار، و في خدمته الملك العادل كتبغا، و سيف الدين الطراخى في تجمل باهر، و نزلوا في المرج، و كان السلطان قد خرج عازما على المجيء فوصل إلى الصالحية ثم عاد إلى مصر.
و في يوم الخميس النصف من شعبان أعيد القاضي بدر الدين بن جماعة إلى قضاء القضاة بدمشق مع الخطابة بعد إمام الدين، و لبس معه في هذا اليوم أمين الدين العجمي خلعة الحسبة، و في يوم سابع عشره لبس خلعة نظر الدواوين تاج الدين الشيرازي عوضا عن فخر الدين بن الشيرجي،