البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٣ - سفر نائب السلطنة إلى الديار المصرية
البريدي أخبره أن صاحب قبرص رأى في النجوم أن قبرص مأخوذة، فجهز مركبين من الأسرى الذين عنده من المسلمين إلى يلبغا، و نادى في بلاده أن من كتم مسلما صغيرا أو كبيرا قتل، و كان من عزمه أن لا يبقى أحدا من الأسارى إلا أرسله.
و في آخر نهار الأربعاء خامس عشره قدم من الديار المصرية قاضى القضاة جمال الدين المسلاتي المالكي الّذي كان قاضى المالكية فعزل في أواخر رمضان من العام الماضي، فحج ثم قصد الديار المصرية فدخلها لعله يستغيث فلم يصادفه قبول، فادعى عليه بعض الحجاب و حصل له ما يسوءه، ثم خرج إلى الشام فجاء فنزل في التربة الكاملية شمالي الجامع، ثم انتقل إلى منزل ابنته متمرضا، و الطلابات و الدعاوي و المصالحات عنه كثيرة جدا، فأحسن اللَّه عاقبته.
و في يوم الأحد بعد العصر دخل الأمير سيف الدين طيبغا الطويل من القدس الشريف إلى دمشق فنزل بالقصر الأبلق، و رحل بعد يومين أو ثلاثة إلى نيابة حماة حرسها اللَّه بتقليد من الديار المصرية، و جاءت الاخبار بتولية الأمير سيف الدين منكلى بغا نيابة حلب عوضا عن نيابة دمشق و أنه حصل له من التشريف و التكريم و التشاريف بديار مصر شيء كثير و مال جزيل و خيول و أقمشة و تحف يشق حصرها، و أنه قد استقر بدمشق الأمير سيف الدين اقشتمر عبد الغنى، الّذي كان حاجب الحجاب بمصر، و عوض عنه في الحجوبية الأمير علاء الدين طيبغا أستاذ دار يلبغا و خلع على الثلاثة في يوم واحد.
و في يوم الأحد حادي عشر ربيع الأول اشتهر في البلد قضية الفرنج أيضا بمدينة الاسكندرية و قدم بريدى من الديار المصرية بذلك، و احتيط على من كان بدمشق من الفرنج و سجنوا بالقلعة و أخذت حواصلهم، و أخبرنى قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ يومئذ أن أصل ذلك أن سبعة مراكب من التجار من البنادقة من الفرنج قدموا إلى الاسكندرية فباعوا بها و اشتروا، و بلغ الخبر إلى الأمير الكبير يلبغا أن مركبا من هذه السبعة إلى صاحب قبرص، فأرسل إلى الفرنج يقول لهم: أن يسلموا هذه المركب فامتنعوا من ذلك و بادروا إلى مراكبهم، فأرسل في آثارهم ستة شوانى مشحونة بالمقاتلة، فالتقوا هم و الفرنج في البحر فقتل من الفريقين خلق و لكن من الفرنج أكثر و هربوا فارين بما معهم من البضائع [١] فجاء الأمير على الّذي كان نائب دمشق أيضا في جيش مبارك و معه ولده و مماليكه في تجمل هائل، فرجع الأمير على و استمر نائب السلطة حتى وقف على بيروت و نظر في أمرها، و عاد سريعا. و قد بلغني أن الفرنج جاءوا طرابلس غزاة و أخذوا مركبا للمسلمين من المينا و حرقوه، و الناس ينظرون و لا يستطيعون دفعهم و لا منعهم؛ و أن الفرنج كروا راجعين، و قد أسروا
[١] كذا بالأصول التركية و بالمصرية بياض حول ثلاث صفحات بالأصل.