البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - ثم دخلت سنة ست و ستين و سبعمائة
بالجامع الّذي جدد بناءه نائب الشام سيف الدين منكلى بغا، بدرب البلاغة قبلي مسجد درب الحجر، داخل باب كيسان المجدد فتحه في هذا الحين كما تقدم، و هو معروف عند العامة بمسجد الشاذورى، و إنما هو في تاريخ ابن عساكر مسجد الشهرزوريّ، و كان المسجد رث الهيئة قد تقادم عهده مدة دهر، و هجر فلا يدخله أحد من الناس إلا قليل، فوسعه من قبليه و سقفه جديدا، و جعل له صرحة شمالية مبلطة، و رواقات على هيئة الجوامع، و الداخل بأبوابه على العادة، و داخل ذلك رواق كبير له جناحان شرقى و غربي، بأعمدة و قناطر، و قد كان قديما كنيسة فأخذت منهم قبل الخمسمائة، و عملت مسجدا، فلم يزل كذلك إلى هذا الحين، فلما كمل كما ذكرنا و سيق إليه الماء من القنوات، و وضع فيه منبر مستعمل كذلك، فيومئذ ركب نائب السلطنة و دخل البلد من باب كيسان و انعطف على حارة اليهود حتى انتهى إلى الجامع المذكور، و قد استكف الناس عنده من قضاة و أعيان و خاصة و عامة، و قد عين لخطابته الشيخ صدر الدين بن منصور الحنفي، مدرس الناجية و إمام الحنفية بالجامع الأموي، فلما أذن الأذان الأول تعذر عليه الخروج من بيت الخطابة، قيل لمرض عرض له، و قيل لغير ذلك من حصر أو نحوه، فخطب الناس يومئذ قاضى القضاة جمال الدين الحنفي الكفري، خدمة لنائب السلطنة.
و استهل شهر ذي الحجة و قد رفع اللَّه الوباء عن دمشق و له الحمد و المنة. و أهل البلد يموتون على العادة و لا يمرض أحد بتلك العلة، و لكن المرض المعتاد، انتهى.
ثم دخلت سنة ست و ستين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و السلطان الملك الأشرف ناصر الدين شعبان، و الدولة بمصر و الشام هم هم، و دخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الاثنين الرابع و العشرين منه، و ذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء و موت الجمال و هرب الجمالين، و قدم مع الركب ممن خرج من الديار المصرية قاضى القضاة بدر الدين بن أبى الفتح، و قد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خاله تاج الدين يحكم فيما يحكم فيه مستقلا معه و منفردا بعده.
و في شهر اللَّه المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم و هم مشعرا و تلبتاثا، و سبب ذلك أنهما عاصيان و أهلهما مفسدان في الأرض، و البلدان و الأرض حصينان لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقى إليهما إلا فارس فارس، فخربتا و عمر بدلهما في أسفل الوادي، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم و الطلب بسهولة، فأخبرني الملك صلاح الدين ابن الكامل أن بلدة تلبتاثا عمل فيها ألف فارس، و نقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمائة حمار عدة أيام.
و في يوم الجمعة سادس صفر بعد الصلاة صلى على قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن قاضى