البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - ثم دخلت سنة اثنتين و ستين و سبعمائة
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ. قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما الآية. ثم حضر في يوم آخر و هو مصمم على ضلاله فضرب بالسياط، فأظهر التوبة ثم أعيد إلى السجن في زنجير، ثم أحضر يوما ثالثا و هو يستهل بالتوبة فيما يظهر، فنودي عليه في البلد ثم أطلق.
و في ليلة الثلاثاء الرابع عشر طلع القمر خاسفا كله و لكن كان تحت السحاب، فلما ظهر وقت العشاء و قد أخذ في الجلاء صلى الخطيب صلاة الكسوف قبل العشاء، و قرأ في الأولى بسورة العنكبوت و في الأخرى بسورة يس، ثم صعد المنبر فخطب ثم نزل بعد العشاء. و قدمت كتب الحجاج يخبرون بالرخص و الأمن، و استمرت زيادة الماء من أول ذي الحجة و قبلها إلى هذه الأيام من آخر هذا الشهر و الأمر على حاله، و هذا شيء لم يعهد كما أخبر به عامة الشيوخ، و سببه أنه جاء ماء من بعض الجبال انهال في طريق النهر.
و دخل المحمل السلطاني يوم الثلاثاء الحادي و العشرين من المحرم قبل الظهر، و مسك أمير الحاج شركتمر المارداني الّذي كان مقيما بمكة شرفها اللَّه تعالى، و حماها من الأوغاد، فلما عادت التجريدة مع الحجاج إلى دمشق صحبة القراسنقر من ساعة وصوله إلى دمشق، فقيد و سير إلى الديار المصرية على البريد، و بلغنا أن الأمير سند أمير مكة غرر بجند السلطان الذين ساروا صحبة ابن قراسنقر و كبسهم و قتل من حواشيهم و أخذ خيولهم، و أنهم ساروا جرائد بغير شيء مسلوبين إلى الديار المصرية، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في أول شوال اشتهر فيه و تواتر خبر الفناء الّذي بالديار المصرية بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل عندهم، على خلاف المعتاد، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الألفين، فأما المرض فكثير جدا، و غلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال، و غلا السكر و الأمياه و الفاكهة جدا، و تبرز السلطان إلى ظاهر البلد و حصل له تشويش أيضا، ثم عوفي بحمد اللَّه.
و في ثالث ربيع الآخر قدم من الديار المصرية ابن الحجاف رسول صاحب العراق لخطبة بنت السلطان، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يصدقها مملكة بغداد، و أعطاهم مستحقا سلطانيا، و أطلق لهم من التحف و الخلع و الأموال شيئا كثيرا، و رسم الرسول بمشترى قرية من بيت المال لتوقف على الخانقاه التي يريد أن يتخذها بدمشق قريبا من الطواويس، و قد خرج لتلقيه نائب الغيبة و هو حاجب الحجاب، و الدولة و الأعيان. و قرأت في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر كتابا ورد من حلب بخط الفقيه العدل شمس الدين العراقي من أهلها، ذكر فيه أنه كان في حضرة نائب السلطنة في دار العدل يوم الاثنين السابع عشر من ربيع الأول و أنه أحضر رجل قد ولد له ولد