البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٥ - ذكر مقتل الجاشنكيرى
العلم التي له و يستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي، فإنه يدرى كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها، و قال في هذا الكتاب: و الحق كل ما له في علو و ازدياد و انتصار، و الباطل في انخفاض و سفول و اضمحلال، و قد أذل اللَّه رقاب الخصوم، و طلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، و قد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام و السنة، و ما فيه قمع الباطل و البدعة، و قد دخلوا تحت ذلك كله و امتنعنا من قبول ذلك منهم، حتى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول و لا عهد، و لم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا، و المذكور مفعولا، و يظهر من عز الإسلام و السنة للخاصة و العامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، و ذكر كلاما طويلا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود و النصارى و ذلهم، و تركهم على ما هم عليه من الذلة و الصغار و اللَّه سبحانه أعلم.
و في شوال أمسك السلطان جماعة من الأمراء قريبا من عشرين أميرا، و في سادس عشر شوال وقع بين أهل حوران من قيس و يمن فقتل منهم مقتلة عظيمة جدا، قتل من الفريقين نحو من ألف نفس بالقرب من السوداء، و هم يسمونها السويداء، و وقعة السويداء، و كانت الكسرة على يمن فهربوا من قيس حتى دخل كثير منهم إلى دمشق في أسوأ حال و أضعفه، و هربت قيس خوفا من الدولة، و بقيت القرى خالية و الزروع سائبة. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في يوم الأربعاء سادس القعدة قدم الأمير سيف الدين قبجق المنصوري نائبا على حلب فنزل القصر و معه جماعة من أمراء المصريين، ثم سافر إلى حلب بمن معه من الأمراء و الأجناد و اجتاز الأمير سيف الدين بهادر بدمشق ذاهبا إلى طرابلس نائبا و الفتوحات السواحلية عوضا عن الأمير سيف الدين استدمر، و وصل جماعة ممن كان قد سافر مع السلطان إلى مصر في ذي القعدة منهم قاضى قضاة الحنفية صدر الدين، و محيي الدين بن فضل اللَّه و غيرهما، فقمت و جلست يوما إلى القاضي صدر الدين الحنفي بعد مجيئه من مصر فقال لي أ تحب ابن تيمية؟ قلت: نعم، فقال لي و هو يضحك: و اللَّه لقد أحببت شيئا مليحا، و ذكر لي قريبا مما ذكر ابن القلانسي، لكن سياق ابن القلانسي أتم.
ذكر مقتل الجاشنكيرى
كان قد فر الخبيث في جماعة من أصحابه، فلما خرج الأمير سيف الدين قراسنقر المنصوري من مصر متوجها إلى نيابة الشام عوضا عن الافرم، فلما كان بغزة في سابع ذي القعدة ضرب حلقة لأجل الصيد، فوقع في وسطها الجاشنكير في ثلاثمائة من أصحابه فأحيط بهم و تفرق عنه أصحابه فأمسكوه و رجع معه قراسنقر و سيف الدين بهادر على الهجن، فلما كان بالخطارة تلقاهم استدمر فتسلمن منهم