البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٩ - الأمير أبو يحيى
قبل وصوله إلى القاهرة وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ. و في يوم الجمعة سادس عشرين شعبان باشر صدر الدين المالكي مشيخة الشيوخ مضافا إلى قضاء قضاة المالكية، و حضر الناس عنده، و قرئ تقليده بذلك بعد انفصال الزرعى عنها إلى مصر. و في نصف رمضان وصل قاضى الحنفية بدمشق لقضاء القضاة عماد الدين أبى الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد الطرسوسي، الّذي كان نائبا لقاضى القضاة صدر الدين على البصروي، فخلفه بعده بالمنصب، و قرئ تقليده بالجامع، و خلع عليه و باشر الحكم، و استناب القاضي عماد الدين ابن العز، و درس بالنورية مع القضاء، و شكرت سيرته.
و في رمضان قدم جماعة من الأسارى مع تجار الفرنج فأنزلوا بالمدرسة العادلية الكبيرة و استفكوا من ديوان الأسرى بنحو من ستين ألفا، و كثرت الأدعية لمن كان السبب في ذلك. و في ثامن شوال خرج الركب الشامي إلى الحجاز و أميره سيف الدين بالبان المحمدي، و قاضيه بدر الدين محمد بن محمد قاضى حران. و في شوال وصل تقليد قضاء الشافعية بدمشق لبدر الدين ابن قاضى القضاة ابن عز الدين بن الصائغ و الخلعة معه، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و صمم، و ألح عليه الدولة فلم يقبل و كثر بكاؤه و تغير مزاجه و اغتاظ، فلما أصرّ على ذلك راجع تنكز السلطان في ذلك، فلما كان شهر ذي القعدة اشتهر تولية علاء الدين على بن إسماعيل القونوي قضاء الشام، فسار إليها من مصر و زار القدس و دخل دمشق يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة، فاجتمع بنائب السلطنة و لبس الخلعة و ركب مع الحجاب و الدولة إلى العادلية، فقرئ تقليده بها و حكم بها على العادة، و فرح الناس به و بحسن سمته و طيب لفظه و ملاحة شمائله و تودده، و ولى بعده مشيخة الشيوخ بمصر مجد الدين الأقصرائي الصوفي شيخ سرياقوس.
و في يوم السبت ثالث عشرين ذي القعدة لبس القاضي محيي الدين بن فضل اللَّه الخلعة بكتابة السر عوضا عن ابن الشهاب محمود، و استمر ولده شرف الدين في كتابة الدست. و في هذه السنة تولى قضاء حلب عوضا عن ابن الزملكانى القاضي فخر الدين البازرى. و في العشر الأول من ذي الحجة كمل ترخيم الجامع الأموي أعنى حائطه الشمالي و جاء تنكز حتى نظر إليه فأعجبه ذلك، و شكر ناظره تقى الدين بن مراجل. و في يوم الأضحى جاء سيل عظيم إلى مدينة بلبيس فهرب أهلها منها و تعطلت الصلاة و الأضاحي فيها، و لم ير مثله من مدة سنين متطاولة، و خرب شيئا كثيرا من حواضرها و بساتينها ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
الأمير أبو يحيى
زكريا بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد أبى حفص الهنتانى الجيانى [١] المغربي، أمير بلاد المغرب.
[١] و في شذرات الذهب «اللحياني».