البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٢ - ثم دخلت سنة تسع عشرة و سبعمائة
و نظما مما يناسب الوقائع و ما يحضر فيه من التهاني و التعازي، و يعرف الموسيقى و الشعبذة، و ضرب الرمل، و يحضر المجالس المشتملة على اللهو و المسكر و اللعب و البسط، ثم انقطع عن ذلك كله لكبر سنه و هو مما يقال فيه و في أمثاله:
ذهبت عن توبته سائلا* * * وجدتها توبة إفلاس
و كان مولده بدمشق سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و توفى ليلة السبت خامس ذي القعدة و دفن بمقابر باب الصغير في قبر أعده لنفسه عن خمس و ثمانين سنة، سامحه اللَّه.
قاضى القضاة فخر الدين
أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبى الخير سلامة بن زين الدين أبى العباس أحمد بن سلام الإسكندري المالكي، ولد سنة إحدى و سبعين و ستمائة، و برع في علوم كثيرة، و ولى نيابة الحكم في الاسكندرية فحمدت سيرته و ديانته و صرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشرها أحسن مباشرة سنة و نصفا، إلى أن توفى بالصمصامية بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة، و دفن إلى جانب القندلاوى بباب الصغير، و حضر جنازته خلق كثير، و شكره الناس و أثنوا عليه، (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة تسع عشرة و سبعمائة
استهلت و الحكام هم المذكورون في التي قبلها، و في ليلة مستهل محرم هبت ريح شديدة بدمشق سقط بسببها شيء من الجدران، و اقتلعت أشجارا كثيرة. و في يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم خلع على جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال عوضا عن ابن الشريشى، و في يوم الأربعاء الخامس من صفر درس بالناصرية الجوانية ابن صصريّ عوضا عن ابن الشريشى أيضا، و حضر عنده الناس على العادة. و في عاشره باشر شد الدواوين جمال الدين أقوش الرحبيّ عوضا عن فخر الدين إياس، و كان أقوش متولى دمشق من سنة سبع و سبعمائة، و ولى مكانه الأمير علم الدين طرقش الساكن بالعقبية، و في هذا اليوم نودي بالبلد بصوم الناس لأجل الخروج إلى الاستسقاء، و شرع في قراءة البخاري و تهيأ الناس و دعوا عقيب الصلوات و بعد الخطب، و ابتهلوا إلى اللَّه في الاستسقاء، فلما كان يوم السبت منتصف صفر، و كان سابع نيسان، خرج أهل البلد برمتهم إلى عند مسجد القدم، و خرج نائب السلطنة و الأمراء مشاة يبكون و يتضرعون، و اجتمع الناس هنالك و كان مشهدا عظيما، و خطب بالناس القاضي صدر الدين سليمان الجعفري و أمن الناس على دعائه، فلما أصبح الناس من اليوم الثاني جاءهم الغيث باذن اللَّه و رحمته و رأفته لا بحولهم و لا بقوتهم، ففرح الناس فرحا شديدا و عم البلاد كلها و للَّه الحمد و المنة، وحده لا شريك له. و في أواخر الشهر شرعوا بإصلاح رخام الجامع و ترميمه و حلى أبوابه و تحسين ما فيه. و في رابع عشر ربيع الآخر درس بالناصرية