البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٩ - ثم دخلت سنة خمسين و سبعمائة
و في يوم الثلاثاء سابع شهر ذي القعدة توفى خطيب الجامع، الخطيب تاج الدين عبد الرحيم ابن القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني، بدار الخطابة، مرض يومين و أصابه ما أصاب الناس من الطاعون، و كذلك عامة أهل بيته من جواريه و أولاده، و تبعه أخوه بعد يومين صدر الدين عبد الكريم، و صلى على الخطيب تاج الدين بعد الظهر يومئذ عند باب الخطابة و دفن بتربتهم بالصوفية عند أبيه و أخويه بدر الدين محمد، و جمال الدين عبد اللَّه (رحمهم اللَّه).
و في يوم الخميس تاسعه اجتمع القضاة و كثير من الفقهاء المفتين عند نائب السلطنة بسبب الخطابة، فطلب إلى المجلس الشيخ جمال الدين بن محمود بن جملة فولاه إياها نائب السلطنة، و انتزعت من يده وظائف كان يباشرها، ففرقت على الناس، فولى القاضي بهاء الدين أبو البقاء تدريس الظاهرية البرانية، و توزع الناس بقية جهاته، و لم يبق بيده سوى الخطابة، و صلى بالناس يومئذ الظهر، ثم خلع عليه في بكرة نهار الجمعة، و صلى بالناس يومئذ و خطبهم على قاعدة الخطباء.
و في يوم عرفة، و كان يوم السبت، توفى القاضي شهاب الدين بن فضل اللَّه كاتب الأسرار الشريفة بالديار المصرية، و البلاد الشامية، ثم عزل عن ذلك و مات و ليس يباشر شيئا من ذلك من رياسة و سعادة و أموال جزيلة، و أملاك و مرتبات كثيرة، و عمر دارا هائلة بسفح قاسيون بالقرب من الركنية شرقيها ليس بالسفح مثلها، و قد انتهت إليه رياسة الإنشاء، و كان يشبه بالقاضي الفاضل في زمانه، و له مصنفات عديدة بعبارات سعيدة، و كان حسن المذاكرة سريع الاستحضار جيد الحفظ فصيح اللسان جميل الأخلاق، يحب العلماء و الفقراء، و لم يجاوز الخمسين، توفى بدارهم داخل باب الفراديس، و صلى عليه بالجامع الأموي، و دفن بالسفح مع أبيه و أخيه بالقرب من اليغمورية سامحه اللَّه و غفر له.
و في هذا اليوم توفى الشيخ عبد اللَّه بن رشيق المغربي، كاتب مصنفات شيخنا العلامة ابن تيمية، كان أبصر بخط الشيخ منه، إذا عزب شيء منه على الشيخ استخرجه أبو عبد اللَّه هذا، و كان سريع الكتابة لا بأس به، دينا عابدا كثير التلاوة حسن الصلاة، له عيال و عليه ديون (رحمه اللَّه) و غفر له آمين.
ثم دخلت سنة خمسين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان البلاد المصرية و الشامية و الحرمين و غير ذلك من البلاد الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، و نائب الديار المصرية و مدير ممالكه و الاتابك سيف الدين يلبغا، و قضاة الديار المصرية هم المذكورون في التي قبلها، و نائب الشام الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري، و قضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، و كذلك أرباب الوظائف سوى الخطيب و سوى المحتسب.