البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و سبعمائة
جاء فنزل القصر و ركب من آخر النهار في الجحافل، و لم يترك أحدا من الجند بدمشق إلا ركب معه و ساق وراء يلبغا فانبرا نحو البرية، فجعلت الأعراب يعترضونه من كل جانب، و ما زالوا يكفونه حتى سار نحو حماة، فخرج نائبها و قد ضعف أمره جدا، و كل هو و من معه من كثرة السوق و مصاولة الأعداء من كل جانب، فألقى بيده و أخذ سيفه و سيوف من معه و اعتقلوا بحماة، و بعث بالسيوف إلى الديار المصرية، و جاء الخبر إلى دمشق صبيحة يوم الأربعاء رابع عشر هذا الشهر، فضربت البشائر بالقلعة و على باب الميادين على العادة، و أحدقت العساكر بحماة من كل جانب ينتظرون ما رسم به السلطان من شأنه، و قام إياس بجيش دمشق على حمص، و كذلك جيش طرابلس، ثم دخلت العساكر راجعة إلى دمشق يوم الخميس التاسع و العشرين من الشهر، و قدم يلبغا و هو مقيد على كديش هو و أبوه و حوله الأمراء الموكلون به و من معه من الجنود، فدخلوا به بعد عشاء الآخرة فاجتازوا به فم السبعة بعد ما غلقت الأسواق، و طفئت السرج، و غلقت الطاقات، ثم مروا على الشيخ رسلان و الباب الشرقي على باب الصغير، ثم من عند مسجد الديان على المصلى، و استمروا ذاهبين نحو الديار المصرية، و تواترت البريدية من السلطان بما رسم به في أمره و أصحابه الذين خرجوا معه من الاحتياط على حواصلهم و أموالهم و أملاكهم و غير ذلك، و قدم البريد من الديار المصرية يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة فأخبر بقتل يلبغا فيما بين قاقون و غبرة، و أخذت رءوسهما إلى السلطان و كذلك قتل بغبرة الأمراء الثلاثة الذين خرجوا من مصر و حاكم الوزير ابن سرد ابن البغدادي، و الدوادار طغيتمر و بيدمر البدري، أحد المقدمين، كان قد نقم عليه السلطان ممالأة يلبغا، فأخرجهم من مصر مسلوبين جميع أموالهم و سيرهم إلى الشام، فلما كانوا بغزة لحقهم البريد بقتلهم حيث وجدهم و كذلك رسم بقتل يلبغا حيث التقاه من الطريق، فلما انفصل البريد من غزة التقى يلبغا في طريق وادي فحمة فخنقه ثم احتز رأسه و ذهب به إلى السلطان، و قدم أميران من الديار المصرية بالحوطة على حواصل يلبغا و طواشى من بيت المملكة، فتسلم مصاغا و جواهر نفيسة جدا، و رسم ببيع أملاكه و ما كان وقفه على الجامع الّذي كان قد شرع بعمارته بسوق الخيل، و كان قد اشتهر أنه وقف عليه القيسارية التي كان أنشأها ظاهر باب الفرج، و الحمامين المتجاورين ظاهر باب الجابية غربي خان السلطان العتيق، و خصصا في قرايا أخرى كان قد استشهد على نفسه بذلك قبل ذلك فاللَّه أعلم. ثم طلب بقية أصحابه من حماة فحملوا إلى الديار المصرية و عدم خبرهم، فلا يدرى على أي صفة هلكوا.
و في صبيحة يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة دخل الأمير سيف الدين أرغون شاه دمشق المحروسة نائبا عليها، و كان قدومه من حلب، انفصل عنها و توجه إليها الأمير فخر الدين إياس الحاجب، فدخلها أرغون شاه في أبهة و عليه خلعة و عمامة بطرفين، و هو قريب الشكل