البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩ - وقعة قازان
كل سوق بحسبه من المال، فلا قوة إلا باللَّه. و شرع التتر في عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها القلعة من صحن الجامع، و غلقت أبوابه و نزل التتار في مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق، و ينهبون ما حوله من الأسواق، و أحرق أرجوان ما حول القلعة من الابنية، كدار الحديث الأشرفية و غير ذلك، إلى حد العادلية الكبيرة، و أحرق دار السعادة لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها، و لزم الناس منازلهم لئلا يسخروا في طم الخندق، و كانت الطرقات لا يرى بها أحد إلا القليل، و الجامع لا يصلى فيه أحد إلا اليسير، و يوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف الأول و ما بعده إلا بجهد جهيد، و من خرج من منزله في ضرورة يخرج بثياب زيهم ثم يعود سريعا، و يظن أنه لا يعود إلى أهله، و أهل البلد قد أذاقهم اللَّه لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و المصادرات و التراسيم و العقوبات عمالة في أكابر أهل البلد ليلا و نهارا، حتى أخذ منهم شيء كثير من الأموال و الأوقاف، كالجامع و غيره، ثم جاء مرسوم بصيانة الجامع و توفير أوقافه و صرف ما كان يؤخذ بخزائن السلاح و إلى الحجاز، و قرئ ذلك المرسوم بعد صلاة الجمعة بالجامع في تاسع عشر جمادى الأولى، و في ذلك اليوم توجه السلطان قازان و ترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل نحو بلاد العراق، و جاء كتابه إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، و في عزمنا العود اليها في زمن الخريف، و الدخول إلى الديار المصرية و فتحها، و قد أعجزتهم القلعة أن يصلوا إلى حجر منها، و خرج سيف الدين قبجق لتوديع قطلو شاه نائب قازان و سار وراءه و ضربت البشائر بالقلعة فرحا لرحيلهم، و لم تفتح القلعة، و أرسل أرجواش ثانى يوم من خروج قبجق القلعية إلى الجامع فكسروا أخشاب المنجنيقات المنصوبة به، و عادوا إلى القلعة سريعا سالمين، و استصحبوا معهم جماعة ممن كانوا يلوذون بالتتر قهرا إلى القلعة، منهم الشريف القمي، و هو شمس الدين محمد ابن محمد بن أحمد بن أبى القاسم المرتضى العلويّ، و جاءت الرسل من قبجق إلى دمشق فنادوا بها طيبوا أنفسكم و افتحوا دكاكينكم و تهيئوا غدا لتلقى سلطان الشام سيف الدين قبجق، فخرج الناس إلى أماكنهم فأشرفوا عليها فرأوا ما بها من الفساد و الدمار، و انفك رؤساء البلد من التراسيم بعد ما ذاقوا شيئا كثيرا.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: ذكر لي الشيخ وجيه الدين بن المنجا أنه حمل إلى خزانة قازان ثلاثة آلاف ألف و ستمائة ألف درهم، سوى ما تمحق من التراسيم و البراطيل و ما أخذ غيره من الأمراء و الوزراء، و أن شيخ المشايخ حصل له نحو من ستمائة ألف درهم، و الأصيل بن النصير الطوسي مائة ألف، و الصفي السخاوي ثمانون ألفا، و عاد سيف الدين قبجق إلى دمشق يوم الخميس بعد الظهر خامس عشرين جمادى الاولى و معه الاليكى و جماعة، و بين يديه السيوف مسللة و على