البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - وقعة قازان
رأسه عصابة فنزل بالقصر و نودي بالبلد نائبكم قبجق قد جاء فافتحوا دكاكينكم و اعملوا معاشكم و لا يغرر أحد بنفسه هذا الزمان و الأسعار في غاية الغلاء و القلة، قد بلغت الغرارة إلى أربعمائة، و اللحم الرطل بنحو العشرة، و الخبز كل رطل بدرهمين و نصف، و العشرة الدقيق بنحو الأربعين، و الجبن الأوقية بدرهم، و البيض كل خمسة بدرهم، ثم فرج عنهم في أواخر الشهر، و لما كان في أواخر الشهر نادى قبجق بالبلد أن يخرج الناس إلى قراهم و أمر جماعة و انضاف إليه خلق من الأجناد، و كثرت الأراجيف على بابه، و عظم شأنه و دقت البشائر بالقلعة و على باب قبجق يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة، و ركب قبجق بالعصائب في البلد و الشاويشية بين يديه، و جهز نحوا من ألف فارس نحو خربة اللصوص، و مشى مشى الملوك في الولايات و تأمير الأمراء و المراسيم العالية النافذة، و صار كما قال الشاعر:
يا لك من قنبرة بمعمرى* * * خلالك الجو فبيضي و اصفرى
و نقرى ما شئت أن تنقرى
ثم إنه ضمن الخمارات و مواضع الزنا من الحانات و غيرها، و جعلت دار ابن جرادة خارج من باب توما خمارة و حانة أيضا، و صار له على ذلك في كل يوم ألف درهم، و هي التي دمرته و محقت آثاره و أخذ أموالا أخر من أوقاف المدارس و غيرها، و رجع بولاى من جهة الأغوار و قد عاث في الأرض فسادا، و نهب البلاد و خرب و معه طائفة من التتر كثيرة، و قد خربوا قرى كثيرة، و قتلوا من أهلها و سبوا خلقا من أطفالها، و جبى لبولاى من دمشق أيضا جباية أخرى، و خرج طائفة من القلعة فقتلوا طائفة من التتر و نهبوهم، و قتل جماعة من المسلمين في غبون ذلك، و أخذوا طائفة ممن كان يلوذ بالتتر و رسم قبجق لخطيب البلد و جماعة من الأعيان أن يدخلوا القلعة فيتكلموا مع نائبها في المصالحة فدخلوا عليه يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الآخرة، فكلموه و بالغوا معه فلم يجب إلى ذلك و قد أجاد و أحسن و أرجل في ذلك بيض اللَّه وجهه.
و في ثامن رجب طلب قبجق القضاة و الأعيان فحلفهم على المناصحة للدولة المحمودية- يعنى قازان- فحلفوا له، و في هذا اليوم خرج الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى مخيم بولاى فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيرا منهم من أيديهم، و أقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد، ثم راح إليه جماعة من أعيان دمشق ثم عادوا من عنده فشلحوا عند باب شرقى و أخذ ثيابهم و عمائمهم و رجعوا في شر حالة، ثم بعث في طلبهم فاختفى أكثرهم و تغيبوا عنه، و نودي بالجامع بعد الصلاة ثالث رجب من جهة نائب القلعة بأن العساكر المصرية قادمة إلى الشام، و في عشية يوم السبت رحل بولاى و أصحابه من التتر و انشمروا عن دمشق و قد أراح اللَّه منهم و ساروا من على عقبة دمر فعاثوا في تلك النواحي فسادا، و لم يأت سابع الشهر و في حواشي البلد منهم أحد، و قد أزاح اللَّه عز و جل