البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٢ - ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و سبعمائة
درس بالشامية البرانية و العذراوية و الظاهرية الجوانية و الرواحية و المسرورية، فكان يعطى كل واحدة منهن حقها بحيث كان يكاد ينسخ بكل واحد من تلك الدروس ما قبله من حسنه و فصاحته، و لا يهيله تعداد الدروس و كثرة الفقهاء و الفضلاء، بل كلما كان الجمع أكثر و الفضلاء أكبر كان الدرس أنضر و أبهر و أحلى و أنصح و أفصح. ثم لما انتقل إلى قضاء حلب و ما معه من المدارس العديدة عامله معاملة مثلها، و أوسع بالفضيلة جميع أهلها، و سمعوا من العلوم ما لم يسمعوا هم و لا آباؤهم. ثم طلب إلى الديار المصرية ليولى الشامية دار السنة النبويّة فعاجلته المنية قبل وصوله إليها، فمرض و هو سائر على البريد تسعة أيام، ثم عقب المرض بحراق الحمام فقبضه هاذم اللذات، و حال بينه و بين سائر الشهوات و الإرادات، و الأعمال بالنيات. و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، و كان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متوليا أن يؤذى شيخ الإسلام ابن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله و مراده، فتوفى في سحر يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان بمدينة بلبيس، و حمل إلى القاهرة و دفن بالقرافة ليلة الخميس جوار قبة الشافعيّ تغمدهما اللَّه برحمته.
المؤذن المشهور بالجامع الأموي
الحاج على بن فرج بن أبى الفضل الكتاني، كان أبوه من خيار المؤذنين، فيه صلاح و دين و له قبول عند الناس، و كان حسن الصوت جهوره، و فيه تودد و خدم و كرم، و حج غير مرة و سمع من أبى عمر و غيره، توفى ليلة الأربعاء ثالث القعدة و صلى عليه غدوة، و دفن بباب الصغير.
و في ذي القعدة توفى الشيخ فضل ابن الشيخ الرجيحى التونسي
و أجلس أخوه يوسف مكانه بالزاوية.
ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و سبعمائة
في ذي القعدة منها كانت وفاة شيخ الإسلام أبى العباس أحمد بن تيمية (قدس اللَّه روحه) كما ستأتي ترجمة وفاته في الوفيات إن شاء اللَّه تعالى.
استهلت هذه السنة و حكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها سوى نائب مصر و قاضى حلب.
و في يوم الأربعاء ثانى المحرم درس بحلقة صاحب حمص الشيخ الحافظ صلاح الدين العلائى، نزل له عنها شيخنا الحافظ المزي، و حضر عنده الفقهاء و القضاة و الأعيان، و ذكر درسا حسنا مفيدا. و في يوم الجمعة رابع المحرم حضر قاضى القضاة علاء الدين القونوي مشيخة الشيوخ بالسمساطية عوضا عن القاضي المالكي شرف الدين، و حضر عنده الفقهاء و الصوفية على العادة. و في يوم الأحد ثامن عشر صفر درس بالمسرورية تقى الدين عبد الرحمن بن الشيخ كمال الدين بن الزملكانى عوضا عن جمال الدين بن الشريشنى بحكم انتقاله إلى قضاء حمص، و حضر الناس عنده و ترحموا على والده.