البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٣ - ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و سبعمائة
و في يوم الأحد خامس عشرين صفر وصل إلى دمشق الأمير الكبير صاحب بلاد الروم تمرتاش ابن جوبان، قاصدا إلى مصر، فخرج نائب السلطنة و الجيش إلى تلقيه، و هو شاب حسن الصورة تام الشكل مليح الوجه. و لما انتهى إلى السلطان بمصر أكرمه و أعطاه تقدمة ألف، و فرق أصحابه على الأمراء و أكرموا إكراما زائدا، و كان سبب قدومه إلى مصر أن صاحب العراق الملك أبا سعيد كان قد قتل أخاه خواجا رمشتق في شوال من السنة الماضية، فهم والده جوبان بمحاربة السلطان أبى سعيد فلم يتمكن من ذلك، و كان جوبان إذ ذاك مدبر الممالك، فخاف تمرتاش هذا عند ذلك من السلطان ففر هاربا بدمه إلى السلطان الناصر بمصر.
و في ربيع الأول توجه نائب الشام سيف الدين تنكز إلى الديار المصرية لزيارة السلطان فأكرمه و احترمه و اشترى في هذه السفرة دار الفلوس التي بالقرب من البزوريين و الجوزية، و هي شرقيها، و قد كان سوق البزورية اليوم يسمى سوق القمح، فاشترى هذه الدار و عمرها دارا هائلة ليس بدمشق دار أحسن منها، و سماها دار الذهب، و هدم حمام سويد تلقاءها و جعله دار قرآن و حديث في غاية الحسن أيضا، و وقف عليها أماكن و رتب فيها المشايخ و الطلبة كما سيأتي تفصيله في موضعه، و اجتاز برجوعه من مصر بالقدس الشريف و زاره و أمر ببناء حمام به، و بناء دار حديث أيضا به، و خانقاه كما يأتى بيانه. و في آخر ربيع الأول وصلت القناة إلى القدس التي أمر بعمارتها و تجديدها سيف الدين تنكز قطلبك، فقام بعمارتها مع ولاة تلك النواحي، و فرح المسلمون بها و دخلت حتى إلى شط المسجد الأقصى، و عمل به بركة هائلة، و هي مرخمة ما بين الصخرة و الأقصى، و كان ابتداء عملها من شوال من السنة الماضية. و في هذه المدة عمر سقوف شرافات المسجد الحرام و إيوانه، و عمرت بمكة طهارة مما يلي باب بنى شيبة.
قال البرزالي: و في هذا الشهر كملت عمارة الحمام الّذي بسوق باب توما، و له بابان. و في ربيع الآخر نقض الترخيم الّذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزيادة، فوجدوا الحائط متجافيا فخيف من أمره، و حضر تنكز بنفسه و معه القضاة و أرباب الخبرة، فاتفق رأيهم على نقضه و إصلاحه، و ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين ربيع الآخر و كتب نائب السلطنة إلى السلطان يعلمه بذلك و يستأذنه في عمارته، فجاء المرسوم بالاذن بذلك، فشرع في نقضه يوم الجمعة خامس عشرين جمادى الأولى، و شرعوا في عمارته يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة، و عمل محراب فيما بين الزيادة و مقصورة الخطابة يضاهى محراب الصحابة، ثم جدوا و لازموا في عمارته، و تبرع كثير من الناس بالعمل فيه من سائر الناس، فكان يعمل فيه كل يوم أزيد من مائة رجل، حتى كملت عمارة الجدار و أعيدت طاقاته و سقوفه في العشرين من رجب و ذلك بهمة تقى الدين بن مراجل