البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - دخول السلطان الملك المنصور محمد بن الملك المظفر أمير حاج بن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون
سبب خروج بيدمر من القلعة و صفة ذلك
لما كان يوم الأحد الثامن و العشرين منه أرسل قضاة القضاة و معهم الشيخ شرف الدين ابن قاضى الجبل الحنبلي، و الشيخ سراج الدين الهندي الحنفي، قاضى العسكر المصري للحنفية، إلى بيدمر و من معه ليتكلموا معهم في الصلح لينزلوا على ما يشترطون قبل أن يشرعوا في الحصار و المجانيق التي قد استدعى بها من صغد و بعلبكّ، و أحضر من رجال النقاعين نحو من ستة آلاف رام فلما اجتمع به القضاة و من معهم و أخبروه عن السلطان و أعيان الأمراء بأنهم قد كتبوا له أمانا إن أناب إلى المصالحة، فطلب أن يكون بأهله ببيت المقدس، و طلب أن يعطى منجك كذا بناحية بلاد سيس ليسترزق هنالك، و طلب استدمر أن يكون باشمقدارا للأمير سيف الدين يلبغا الخاصكى. فرجع القضاة إلى السلطان و معهم الأمير زين الدين جبريل الحاجب كان، فأخبروا السلطان و الأمراء بذلك، فأجيبوا إليه، و خلع السلطان و الأمراء على جبريل خلعا، فرجع في خدمة القضاة و معهم الأمير استبغا بن الأبو بكرى، فدخلوا القلعة و باتوا هنالك كلهم، و انتقل الأمير بيدمر بأهله و أثاثه إلى داره بالمطرزين، فلما أصبح يوم الاثنين التاسع و العشرين منه خرج الأمراء الثلاثة من القلعة و معهم جبريل، فدخل القضاة و سلموا القلعة بما فيها من الحواصل إلى الأمير استبغا بن الأبو بكرى، انتهى.
دخول السلطان الملك المنصور محمد بن الملك المظفر أمير حاج بن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون
«إلى دمشق في جيشه و جنوده و أمرائه و أبهته».
لما كان صبيحة يوم الاثنين التاسع و العشرين من رمضان من هذه السنة رجع القضاة إلى الوطاق الشريف، و في صحبتهم الأمراء الذين كانوا بالقلعة، و قد أعطوا الأمان من جهة السلطان و من معهم و ذويهم، فدخل القضاة و حجب الأمراء المذكورون، فخلع على القضاة الأربعة و انصرفوا راجعين مجبورين، و أما الأمراء المذكورون فإنهم أركبوا على خيل ضعيفة، و خلف كل واحد منهم و ساقى أخذ بوسطه قبل، و في يد كل واحد من الوساقية خنجر كبير مسلول لئلا يستنقذه منه أحد فيقتله بها، فدخل جهرة بين الناس ليروهم ذلتهم التي قد لبستهم، و قد أحدق الناس بالطريق من كل جانب، فقام كثير من الناس، اللَّه أعلم بعدتهم، إلا أنهم قد يقاربون المائة ألف أو يزيدون عليها، فرأى الناس منظرا فظيعا، فدخل بهم الوساقية إلى الميدان الأخضر الّذي فيه القصر، فأجلسوا هنالك و هم ستة نفر: الثلاثة النواب و جبريل و ابن استدمر، و سادس، و ظن كل منهم أن يفعل بهم فاقرة، فانا للَّه و إنا إليه راجعون، و أرسلت الجيوش داخلة إلى دمشق أطلابا في تجمل عظيم، و لبس الحرب بنهر النصر و خيول و أسلحة و رماح، ثم دخل السلطان في آخر ذلك كله بعد العصر بزمن، و عليه