البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - خروج ملك الأمراء بيدمر من دمشق متوجها إلى غزة ليلحق العساكر هناك
و لا أحد من أمراء دمشق عين و لا أثر، قد ذهبوا كلهم إلى طاعة صاحب مصر، و لم يبق بدمشق من أمرائها سوى ابن قراسنقر من الأمراء المتقدمين، و سوى بيدمر و منجك و استدمر، و القلعة قد هيئت و المجانيق منصوبة على حالها، و الناس في خوف شديد من دخول بيدمر إلى القلعة، فيحصل بعد ذلك عند قدوم الجيش المصري حصار و تعب و مشقة على الناس، و اللَّه يحسن العاقبة.
و لما كان في أثناء نهار الاثنين سادس عشره دقت البشائر في القلعة و أظهر أن يلبغا الخاصكى قد نفاه السلطان إلى الشام، ثم ضربت وقت المغرب ثم بعد العشاء في صبيحة يوم الثلاثاء أيضا، و في كل ذلك يركب الأمراء الثلاثة منجك و بيدمر و استدمر ملبسين، و يخرجون إلى خارج البلد، ثم يعودون، و الناس فيما يقال ما بين مصدق و مكذب، و لكن قد شرع إلى تستير القلعة و تهيئ الحصار فانا للَّه و إنا إليه راجعون.
ثم تبين أن هذه البشائر لا حقيقة لها، فاهتم في عمل ستائر القلعة و حمل الزلط و الأحجار إليها، الأغنام و الحواصل، و قد وردت الأخبار بأن الركاب الشريف السلطاني و صحبته يلبغا في جميع جيش مصر قد عدا غزة، فعند ذلك خرج الصاحب و كاتب السر و القاضي الشافعيّ و ناظر الجيش و نقباؤه و متولى البلد و توجهوا تلقاء حماة لتلقى الأمير على الّذي قد جاءه تقليد دمشق، و بقي البلد شاغرا عن حاكم فيها سوى المحتسب و بعض القضاة، و الناس كغنم لا راعى لهم، و مع هذا الأحوال صالحة و الأمور ساكنة، لا يعدو أحد على أحد فيما بلغنا، هذا و بيدمر و منجك و استدمر في تحصين القلعة و تحصيل العدد و الأقوات فيها، و اللَّه غالب على أمره أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ الستائر تعمل فوق الأبرجة، و صلى الأمير بيدمر صلاة الجمعة تاسع عشر الشهر في الشباك الكمالي، في مشهد عثمان، و صلى عنده منجك إلى جانبه داخل موضع القضاة، و ليس هناك أحد من الحجبة و لا النقباء، و ليس في البلد أحد من المباشرين بالكلية، و لا من الجند إلا القليل، و كلهم قد سافروا إلى ناحية السلطان، و المباشرون إلى ناحية حماة لتلقى الأمير على نائب الشام المحروس، ثم عاد إلى القلعة و لم يحضر الصلاة استدمر، لأنه قيل كان منقطعا أو قد صلى في القلعة.
و في يوم السبت العشرين من الشهر وصل البريد من جهة السلطان من أبناء الرسول إلى نائب دمشق يستعلم طاعته أو مخالفته، و بعث عليه فيما أعتمده من استحوذ على القلعة و يخطب فيها، و ادخار الآلات و الاطعمات فيها، و عدم المجانيق و الستائر عليها، و كيف تصرف في الأموال السلطانية تصرف الملك و الملوك، فتنصل ملك الأمراء من ذلك، و ذكر أنه إنما أرصد في القلعة جنادتها و أنه لم يدخلها، و أن أبوابها مفتوحة، و هي قلعة السلطان، و إنما له غريم بينه و بينه الشرع