البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين استدمر البحناوي
فعند ذلك رمتهم الأتراك بالنبال من كل جانب، فقتلوا منهم فوق المائة، ففروا على أعقابهم، و أسر منهم والى الولاة نحوا من ستين رجلا، و أمر بقطع رءوس القتلى و تعليقها في أعناق هؤلاء الأسرى، و نهبت بيوت الفلاحين كلهم، و سلمت إلى مماليك نائب السلطنة لم يفقد منها ما يساوى ثلاثمائة درهم، و كر راجعا إلى بصرى و شيوخ العشيرات معه، فأخبر ابن الأمير صلاح الدين ابن خاص ترك، و كان من جملة أمراء الطبلخانات الذين قاتلوهم بمبسوط ما يخصه و أنه كان إذا أعيا بعض تلك الأسرى من الجرحى أمر المشاعلى بذبحه و تعليق رأسه على بقية الأسرى، و فعل هذا بهم غير مرة حتى أنه قطع رأس شاب منهم و علق رأسه على أبيه، شيخ كبير، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، حتى قدم بهم بصرى فشنكل طائفة من أولئك المأسورين و شنكل آخرين و وسط الآخرين و حبس بعضهم في القلعة، و علق الرءوس على أخشاب نصبها حول قلعة بصرى، فحصل بذلك تنكيل شديد لم يقع مثله في هذا الأوان بأهل حوران، و هذا كله سلط عليهم بما كسبت أيديهم و ما ربك بظلام للعبيد، و كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون، فانا للَّه و إنا إليه راجعون.
انتهى.
دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين استدمر البحناوي
في صبيحة يوم الاثنين حادي عشر شعبان من هذه السنة كان دخول الأمير سيف الدين استدمر البحناوي نائبا على دمشق من جهة الديار المصرية، و تلقاه الناس و احتفلوا له احتفالا زائدا و شاهدته حين ترجل لتقبيل العتبة، و بعضده الأمير سيف الدين بيدمر الّذي كان حاجب الحجاب و عين لنيابة حلب المحروسة، فاستقبل القبلة و سجد عند القبلة، و قد بسط له عندها مفارش و صمدة هائلة، ثم إنه ركب فتعضده بيدمر أيضا و سار نحو الموكب فأركب ثم عاد إلى دار السعادة على عادة من تقدمه من النواب. و جاء تقليد الأمير سيف الدين بيدمر من آخر النهار لنيابة حلب المحروسة.
و في آخر نهار الثلاثاء بعد العصر ورد البريد البشيري و على يده مرسوم شريف بنفي القاضي بهاء الدين أبو البقاء و أولاده و أهله إلى طرابلس بلا وظيفة، فشق ذلك عليه و على أهليه و من يليه، و تغمم له كثير من الناس، و سافر ليلة الجمعة و قد أذن له في الاستنابة في جهاته، فاستناب ولده الكبير عز الدين، و اشتهر في شوال أن الأمير سيف الدين منجك الّذي كان نائب السلطنة بالشام و هرب و لم يطلع له خبر، فلما كان في هذا الوقت ذكر أنه مسك ببلد بحران من مقاطعة ماردين في زي فقير، و أنه احتفظ عليه و أرسل السلطان قراره، و عجب كثير من الناس من ذلك، ثم لم يظهر لذلك حقيقة و كان الذين رأوه ظنوا أنه هو، فإذا هو فقير من جملة الفقراء يشبهه من بعض الوجوه. و اشتهر في ذي القعدة أن الأمير عز الدين فياض بن مهنا ملك العرب، خرج عن طاعة السلطان و توجه نحو العراق فوردت المراسيم السلطانية لمن بأرض الرحبة من العساكر الدمشقية و هم أربعة مقدمين في