البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة
و لديه فضائل، و في كلامه نفع كثير إلى أن توفى في العشرين من شوال، و لم ير الناس مثل جنازته بديار مصر (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين و سبعمائة
استهلت بيوم الأربعاء و الخليفة المستكفي منفي ببلاد قوص، و معه أهله و ذووه، و من يلوذ به، و سلطان البلاد الملك الناصر محمد بن الملك المنصور، و لا نائب بديار مصر و لا وزير، و نائبة بدمشق تنكز، و قضاة البلاد و نوابها و مباشروها هم المذكورون في التي قبلها. و في ثالث ربيع الأول رسم السلطان بتسفير على و محمد ابني داود بن سليمان بن داود بن العاضد آخر خلفاء الفاطميين إلى الفيوم يقيمون به. و في يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر عزل القاضي علم الدين بن القطب عن كتابة السر و ضرب و صودر، و نكب بسببه القاضي فخر الدين المصري، و عزل عن مدرسته الدولعية و أخذها ابن جملة، و العادلية الصغيرة باشرها ابن النقيب، و رسم عليه بالعذراوية مائة يوم، و أخذ شيء من ماله.
و في ليلة الأحد ثالث عشرين ربيع الأول بعد المغرب هبت ريح شديدة بمصر و أعقبها رعد و برق و برد بقدر الجوز، و هذا شيء لم يشاهدوا مثله من أعصار متطاولة بتلك البلاد. و في عاشر جمادى الأولى استهل الغيث بمكة من أول الليل، فلما انتصف الليل جاء سيل عظيم هائل لم ير مثله من دهر طويل، فخرب دورا كثيرة نحوا من ثلاثين أو أكثر، و غرق جماعة و كسر أبواب المسجد، و دخل الكعبة و ارتفع فيها نحوا من ذراع أو أكثر، و جرى أمر عظيم حكاه الشيخ عفيف الدين الطبري. و في سابع عشرين من جمادى الأولى عزل القاضي جلال الدين عن قضاء مصر، و اتفق وصول خبر موت قاضى الشام ابن المجد بعد أن عزل بيسير، فولاه السلطان قضاء الشام فسار إليها راجعا عودا على بدء، ثم عزل السلطان برهان الدين بن عبد الحق قاضى الحنفية، و عزل قاضى الحنابلة تقى الدين، و رسم على ولده صدر الدين بأداء ديون الناس إليهم، و كانت قريبا من ثلاثمائة ألف، فلما كان يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة بعد سفر جلال الدين بخمسة أيام طلب السلطان أعيان الفقهاء إلى بين يديه فسألهم عن من يصلح للقضاء بمصر فوقع الاختيار على القاضي عز الدين ابن جماعة، فولاه في الساعة الراهنة، و ولى قضاء الحنفية لحسام الدين حسن بن محمد الغورى قاضى بغداد، و خرجا من بين يديه إلى المدرسة الصالحية، و عليهما الخلع، و نزل عز الدين بن جماعة عن دار الحديث الكاملية لصاحبه الشيخ عماد الدين الدمياطيّ، فدرس فيها و أورد حديث «إنما الأعمال بالنيات». بسنده، و تكلم عليه. و عزل أكثر نواب الحكم و استمر بعضهم، و استمر بالمنادي الّذي أشار بتوليته. و لما كان يوم خامس عشرين منه ولى قضاء الحنابلة الامام العالم موفق الدين أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن عبد الملك المقدسي عوضا عن المعزول، و لم يبق من القضاة سوى الاخنائى المالكي.