البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٠ - نادرة من الغرائب
انتهى و اللَّه أعلم.
نادرة من الغرائب
في يوم الاثنين السادس عشر من جمادى الأولى اجتاز رجل من الروافض من أهل الحلة بجامع دمشق و هو يسب أول من ظلم آل محمد، و يكرر ذلك لا يفتر، و لم يصل مع الناس و لا صلى على الجنازة الحاضرة، على أن الناس في الصلاة، و هو يكرر ذلك و يرفع صوته به، فلما فرغنا من الصلاة نبهت عليه الناس فأخذوه و إذا قاضى القضاة الشافعيّ في تلك الجنازة حاضر مع الناس. فجئت إليه و استنطقته من الّذي ظلم آل محمد؟ فقال: أبو بكر الصديق، ثم قال جهرة و الناس يسمعون: لعن اللَّه أبا بكر و عمر و عثمان و معاوية و يزيد، فأعاد ذلك مرتين، فأمر به الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي و جلده بالسياط، و هو مع ذلك يصرخ بالسب و اللعن و الكلام الّذي لا يصدر إلا عن شقي، و اسم هذا اللعين على بن أبى الفضل بن محمد بن حسين بن كثير قبحه اللَّه و أخزاه، ثم لما كان يوم الخميس سابع عشره عقد له مجلس بدار السعادة و حضر القضاة الأربعة و طلب إلى هنالك فقدر اللَّه أن حكم نائب المالكي بقتله، فأخذ سريعا فضرب عنقه تحت القلعة و حرقة العامة و طافوا برأسه البلد و نادوا عليه هذا جزاء من سب أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي و إذا عنده شيء مما يقوله الرافضة الغلاة، و قد تلقى عن أصحاب ابن مطهر أشياء في الكفر و الزندقة، قبحه اللَّه و إياهم. و ورد الكتاب بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية.
و في يوم الجمعة ثامن عشر رجب الفرد قرئ بجامع دمشق بالمقصورة بحضرة نائب السلطنة و أمراء الأعراب، و كبار الأمراء، و أهل الحل و العقد و العامة كتاب السلطان بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية و زيادات أخر: منها أن لا يستخدموا في شيء من الدواوين السلطانية و الأمراء و لا في شيء من الأشياء، و أن لا تزيد عمامة أحدهم عن عشرة أذرع و لا يركبوا الخيل و لا البغال و لكن الحمير بالاكف عرضا، و أن لا يدخلوا إلا بالعلامات من جرس أو بخاتم نحاس أصفر، أو رصاص، و لا تدخل نساؤهم مع المسلمات الحمامات، و ليكن لهن حمامات تختص بهن، و أن يكون إزار النصرانية من كتان أزرق، و اليهودية من كتان أصفر، و أن يكون أحد خفيها أسود و الآخر أبيض، و أن يحكم حكم مواريثهم على الأحكام الشرعية.
و احترقت باسورة باب الجابية في ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخرة، و عدم المسلمون تلك الاطعمات و الحواصل النافعة من الباب الجواني إلى الباب البراني. و في مستهل شهر رمضان عمل الشيخ الامام العالم البارع شمس الدين- بن النقاش المصري الشافعيّ- ورد دمشق بالجامع الأموي تجاه محراب الصحابة، ميعادا للوعظ و اجتمع عنده خلق من الأعيان و الفضلاء و العامة، و شكروا كلامه و طلاقة عبارته، من غير تلعثم و لا تخليط و لا توقف، و طال ذلك إلى قريب العصر.