البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٠ - ثم دخلت سنة تسع و خمسين و سبعمائة
الذين كانوا قد خرجوا بسببه، و قد اتفقوا هم و هو. قال فحينئذ ركبت في الجيش و أرسلت طليعتين أمامى و قلت تراءوا للجيوش الذين جاءوا حتى يروكم فيعلموا أنا قد أحطنا بهم من كل جانب. فحينئذ جاءت البرد من جهته بطلب الأمان و يجهرون بالإجابة إلى أن يركب في عشرة سروج، و يترك طلبه بالقطيفة، و ذلك يوم الجمعة، فلما كان الليل ركبت أنا و الجيش في السلاح طول الليل و خشيت أن تكون مكيدة و خديعة، فجاءتنا الجواسيس فأخبرونا أنهم قد أوقدوا نشابهم و رماحهم و كثيرا من سلاحهم، فتحققنا عند ذلك طاعته و إجابته، لكل ما رسم به، فلما أصبح يوم السبت وصى و ركب في عشرة سروج و سار نحو الديار المصرية و للَّه الحمد و المنة.
و في يوم الاثنين الرابع و العشرين من صفر دخل حاجب الحجاب الّذي كان سجن في قلعة صرخد مع البريدي الّذي قدم بسببه من الديار المصرية، و تلقاه جماعة من الأمراء و الكبراء، و تصدق بصدقات كثيرة في داره، و فرحوا به فرحا شديدا، و هو و الناس يقولون إنه ذاهب إلى الديار المصرية معظما مكرما على تقدمة ألف و وظائف هناك، فلما كان يوم الخميس السابع و العشرين منه لم يفجأ الناس إلا و قد دخل القلعة المنصورة معتقلا بها مضيقا عليه، فتعجب الناس من هذه الترحة من تلك الفرحة فما شاء اللَّه كان.
و في يوم الأربعاء رابع ربيع الأول عقد مجلس بسبب الحاجب بالمشهد من الجامع. و في يوم الخميس أحضر الحاجب من القلعة إلى دار الحديث، و اجتمع القضاة هناك بسبب دعاوى يطلبون منه حق بعضهم، ثم لما كان يوم الاثنين تاسعه قدم من الديار المصرية مقدم البريدية بطلب الحاجب المذكور، فأخرج من القلعة السلطانية و جاء إلى نائب السلطنة فقبل قدمه، ثم خرج إلى منزله و ركب من يومه قاصدا إلى الديار المصرية مكرما، و خرج بين يديه خلق من العوام و الحرافيش يدعون له، و هذا أغرب ما أرخ، فهذا الرجل نالته شدة عظيمة بسبب سجنه بصرخد، ثم أفرج عنه، ثم حبس في قلعة دمشق ثم أفرج عنه، و ذلك كله في نحو شهر.
ثم جاءت الأخبار في يوم الأحد ثانى عشر جمادى الأولى بعزل نائب السلطنة عن دمشق فلم يركب في الموكب يوم الاثنين، و لا حضر في دار العدل، ثم تحققت الاخبار بذلك و بذهابه إلى نيابة حلب، و مجيء نائب حلب إلى دمشق، فتأسف كثير من الناس عليه لديانته و جوده و حسن معاملته لأهل العلم، و لكن حاشيته لا ينفذون أوامره، فتولد بسبب ذلك فساد عريض و حموا كثيرا من البلاد، فوقعت الحروب بين أهلها بسبب ذلك، و هاجت العشيرات ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ و في صبيحة يوم السبت الخامس و العشرين خرج الأمير على المارداني من دمشق في طلبه مستعجلا في أبهة النيابة، قاصدا إلى حلب المحروسة، و قد ضرب وطاقه بوطأة برزة، فخرج الناس للتفرج