البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - مملكة السلطان الملك الصالح
القضاة الثلاثة و طلبوا الحنبلي ليتكلموا معه فيما يتعلق بدار المعتمد التي بجوار مدرسة الشيخ أبى عمر، التي حكم بنقض وقفها و هدم بابها و إضافتها إلى دار القرآن المذكورة، و جاء مرسوم السلطان يوفق ذلك، و كان القاضي الشافعيّ قد أراد منعه من ذلك، فلما جاء مرسوم السلطان اجتمعوا لذلك، فلم يحضر القاضي الحنبلي، قال حتى يجيء نائب السلطنة.
و لما كان يوم الخميس خامس عشر ربيع الأول حضر القاضي حسين ولد قاضى القضاة تقى الدين السبكى عن أبيه مشيخة دار الحديث الأشرفية و قرئ عليه شيء كان قد خرجه له بعض المحدثين، و شاع في البلد أنه نزل له عنها، و تكلموا في ذلك كلاما كثيرا، و انتشر القول في ذلك، و ذكر بعضهم أنه نزل له عن الغزالية و العادلية، و استخلفه في ذلك فاللَّه أعلم.
و في سحر ليلة الخميس خامس شهر جمادى الآخرة وقع حريق عظيم بالجوانيين في السوق الكبير و احترقت دكاكين الفواخرة و المناجليين، و فرجة الغرابيل، و إلى درب القلى، ثم إلى قريب درب العميد، و صارت تلك الناحية دكا بلقعا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و جاء نائب السلطنة بعد الأذان إلى هناك و رسم بطفإ النار، و جاء المتولي و القاضي الشافعيّ و الحجاب، و شرع الناس في طفى النار، و لو تركوها لأحرقت شيئا كثيرا، و لم يفقد فيما بلغنا أحد من الناس، و لكن هلك للناس شيء كثير من المتاع و الأثاث و الأملاك و غير ذلك، و احترق للجامع من الرباع في هذا الحريق ما يساوى مائة ألف درهم. انتهى و اللَّه أعلم.
كائنة غريبة جدا
و في يوم الأحد خامس عشر جمادى الأولى استسلم القاضي الحنبلي جماعة من اليهود كان قد صدر منهم نوع استهزاء بالإسلام و أهله، فإنهم حملوا رجلا منهم صفة ميت على نعش و يهللون كتهليل المسلمين أمام الميت و يقرءون قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فسمع بهم من بحارتهم من المسلمين، فأخذوهم إلى ولى الأمر نائب السلطنة فدفعهم إلى الحنبلي، فاقتضى الحال استسلامهم فأسلم يومئذ منهم ثلاثة و تبع أحدهم ثلاثة أطفال، و أسلم في اليوم الثاني ثمانية آخرون فأخذهم المسلمون و طافوا بهم في الأسواق يهللون و يكبرون، و أعطاهم أهل الأسواق شيئا كثيرا و راحوا بهم إلى الجامع فصلوا ثم أخذوهم إلى دار السعادة فاستطلقوا لهم شيئا، و رجعوا و هم في ضجيج و تهليل و تقديس، و كان يوما مشهودا و للَّه الحمد و المنة. انتهى و اللَّه أعلم
مملكة السلطان الملك الصالح
«صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي» في العشر الأوسط من شهر رجب الفرد وردت البريدية من الديار المصرية بعزل السلطان الملك الناصر حسن بن الناصر بن قلاوون لاختلاف الأمراء عليه، و اجتماعهم على أخيه الملك