البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٤ - أعجوبة من العجائب
أخر، قدم بها من الديار المصرية، فانتشر الخبر في هذا اليوم باجلاس قاضى القضاة شمس الدين الكفري الحنفي، فوق قاضى القضاة المالكية، لكن لم يحضر في هذا اليوم، و ذلك بعد ما قد أمر باجلاس المالكي فوقه.
و في ثانى رجب توفى القاضي الامام العالم شمس الدين بن مفلح المقدسي الحنبلي، نائب مشيخة قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن محمد المقدسي الحنبلي، و زوج ابنته، و له منها سبعة أولاد ذكور و إناث، و كان بارعا فاضلا متفننا في علوم كثيرة، و لا سيما علم الفروع، كان غاية في نقل مذهب الامام أحمد، و جمع مصنفات كثيرة منها كتاب المقنع نحوا من ثلاثين مجلدا كما أخبرنى بذلك عنه قاضى القضاة جمال الدين، و علق على محفوظة أحكام الشيخ مجد الدين بن تيمية مجلدين، و له غير ذلك من الفوائد و التعليقات (رحمه اللَّه)، توفى عن نحو خمسين سنة، و صلى عليه بعد الظهر من يوم الخميس ثانى الشهر بالجامع المظفري، و دفن بمقبرة الشيخ الموفق، و كانت له جنازة حافلة حضرها القضاة كلهم، و خلق من الأعيان (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه.
و في صبيحة يوم السبت رابع رجب ضرب نائب السلطنة جماعة من أهل قبر عاتكة أساءوا الأدب على النائب و مماليكه، بسبب جامع للخطبة جدد بناحيتهم، فأراد بعض الفقراء أن يأخذ ذلك الجامع و يجعله زاوية للرقاصين، فحكم القاضي الحنبلي بجعله جامعا قد نصب فيه منبر، و قد قدم شيخ الفقراء على يديه مرسوم شريف بتسليمه إليه، فأنفت أنفس أهل تلك الناحية من عوده زاوية بعد ما كان جامعا، و أعظموا ذلك، فتكلم بعضهم بكلام سيئ، فاستحضر نائب السلطنة طائفة منهم و ضربهم بالمقارع بين يديه، و نودي عليهم في البلد، فأراد بعض العامة إنكارا لذلك، و حدد ميعاد حديث يقرأ بعد المغرب تحت قبة النسر على الكرسي الّذي يقرأ عليه المصحف، رتبه أحد أولاد القاضي عماد الدين بن الشيرازي، و حدث فيه الشيخ عماد الدين بن السراج، و اجتمع عنده خلق كثير و جم غفير، و قرأ في السيرة النبويّة من خطى، و ذلك في العشر الأول من هذا الشهر.
أعجوبة من العجائب
و حضر شاب عجمي من بلاد تبريز و خراسان يزعم أنه يحفظ البخاري و مسلما و جامع المسانيد و الكشاف للزمخشري و غير ذلك من محاضيرها، في فنون أخر، فلما كان يوم الأربعاء سلخ شهر رجب قرأ في الجامع الأموي بالحائط الشمالي منه، عند باب الكلاسة من أول صحيح البخاري إلى أثناء كتاب العلم منه، من حفظه و أنا أ قابل عليه من نسخة بيدي، فأدى جيدا، غير أنه يصحف بعضا من الكلمات لعجم فيه، و ربما لحن أيضا في بعض الأحيان، و اجتمع خلق كثير من العامة و الخاصة و جماعة من المحدثين، فأعجب ذلك جماعة كثيرين، و قال آخرون منهم إن سرد بقية