البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - منام غريب جدا
الآية و ما بعدها، فاستنبط أشياء حسنة، و ذكر ضربا من العلوم بعبارة طلقة جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثم و لا تلجلج و لا تكلف فأجاد و أفاد، و شكره الخاصة و العامة من الحاضرين و غيرهم حتى قال بعض الأكابر: إنه لم يسمع درسا مثله.
و في يوم الاثنين الخامس و العشرين منه توفى الصدر برهان الدين بن لؤلؤ الحوضيّ، في داره بالقصاعين و لم يمرض إلا يوما واحدا، و صلى عليه من الغد بجامع دمشق بعد صلاة الظهر، و خرجوا به من باب النصر، فخرج نائب السلطنة الأمير على فصلى عليه إماما خارج باب النصر، ثم ذهبوا به فدفنوه بمقابرهم بباب الصغير، فدفن عند أبيه (رحمه اللَّه)، و كان (رحمه اللَّه) فيه مروءة و قيام مع الناس، و له وجاهة عند الدولة و قبول عند نواب السلطنة و غيرهم، و يحب العلماء و أهل الخير، و يواظب على سماع مواعيد الحديث و الخير، و كان له مال و ثروة و معروف، قارب الثمانين (رحمه اللَّه).
و جاء البريد من الديار المصرية فأخبر بموت الشيخ شمس الدين محمد بن النقاش المصري بها، و كان واعظا باهرا، و فصيحا ماهرا، و نحويا شاعرا، له يد طولى في فنون متعددة، و قدرة على نسج الكلام، و دخول على الدولة و تحصيل الأموال، و هو من أبناء الأربعين (رحمه اللَّه).
و أخبر البريد بولاية قاضى القضاة شرف الدين المالكي البغدادي، الّذي كان قاضيا بالشام للمالكية، ثم عزل بنظر الخزانة بمصر، فإنه رتب له معلوم وافر يكفيه و يفضل عنه، ففرح بذلك من يحبه.
و في يوم الأحد السابع عشر من ربيع الآخر توفى الرئيس أمين الدين محمد بن الصدر جمال الدين أحمد بن الرئيس شرف الدين محمد بن القلانسي، أحد من بقي من رؤساء البلد و كبرائها، و قد كان باشر مباشرات كبار كأبيه و عمه علاء الدين، و لكن فاق هذا على أسلافه فإنه باشر وكالة المال مدة، و ولى قضاء العساكر أيضا، ثم ولى كتابة السر مع مشيخة الشيوخ و تدريس الناصرية و الشامية الجوانية، و كان قد درس في العصرونية من قبل سنة ست و ثلاثين، ثم لما قدم السلطان في السنة الماضية عزل عن مناصبه الكبار، و صودر بمبلغ كثير يقارب مائتي ألف، فباع كثيرا من أملاكه و ما بقي بيده من وظائفه شيء، و بقي خاملا مدة إلى يومه هذا، فتوفى بغتة، و كان قد تشوش قليلا لم يشعر به أحد، و صلى عليه العصر بجامع دمشق، و خرجوا به من باب الناطفانيين إلى تربتهم التي بسفح قاسيون (رحمه اللَّه).
و في صبيحة يوم الاثنين ثامن عشره، خلع على القاضي جمال الدين بن قاضى القضاة شرف الدين الكفري الحنفي، و جعل مع أبيه شريكا في القضاء و لقب في التوقيع الوارد صحبة البريد من جهة السلطان «قاضى القضاة» فلبس الخلعة بدار السعادة و جاء و معه قاضى القضاة تاج الدين السبكى