البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - مسك منجك و صفة الظهور عليه و قد كان مختفيا بدمشق في بعض دورها قريبا من سنة
الّذي زوّر المراسيم و اسمه السراج عمر القفطي المصري، و هو شاب كاتب مطيق على ما ذكر، و حمل في قفص على جمل و هو مقطوع اليد، و لم يحسم بعد و الدم ينصب منها، و أركب معه الشيخ زين الدين زيد على جمل و هو منكوس وجهه إلى ناحية دبر الجمل، و هو عريان مكشوف الرأس، و كذلك البدر الحمصي على جمل آخر، و أركب الوالي شهاب الدين على جمل آخر و عليه تخفيفة صغيرة، و خف و قباء، و طيف بهم في محال البلد، و نودي عليهم: هذا جزاء من يزور على السلطان، ثم أودعوا حبس الباب الصغير و كانوا قبل هذا التعزير في حبس السد، و منه أخذوا و أشهروا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ انتهى
مسك منجك و صفة الظهور عليه و قد كان مختفيا بدمشق في بعض دورها قريبا من سنة
لما كان يوم الخميس السابع و العشرين من المحرم جاء ناصح إلى نائب السلطنة الأمير سيف الدين استدمر فأخبره بأن منجك في دار الشرف الأعلى، فأرسل من فور إلى ذلك المنزل الّذي هو فيه بعض الحجبة و من عنده من خواصه، فأحضر إلى بين يديه محتفظا عليه جدا، بحيث إن بعضهم رزقه من ورائه و احتضنه، فلما واجهه نائب السلطنة أكرمه و تلقاه و أجلسه معه على مقعدته، و تلطف به و سقاه و أضافه، و قد قيل إنه كان صائما فأفطر عنده، و أعطاه من ملابسه و قيده و أرسله إلى السلطان في ليلته- ليلة الجمعة- مع جماعة من الجند و بعض الأمراء، منهم حسام الدين أمير حاجب، و قد كان أرسل نائب السلطنة ولده بسيف منجك من أوائل النهار، و تعجب الناس من هذه القضية جدا، و ما كان يظن كثير من الناس إلا أنه قد عدم باعتبار أنه في بعض البلاد النائية، و لم يشعر الناس أنه في وسط دمشق و أنه يمشى بينهم متنكرا، و قد ذكر أنه كان يحضر الجمعات بجامع دمشق و يمشى بين الناس متنكرا في لبسه و هيئته، و مع هذا لن يغنى حذر من قدر، و لكل أجل كتاب، و أرسل ملك الأمراء بالسيف و بملابسه التي كان يتنكر بها، و بعث هو مع جماعة من الأمراء الحجبة و غيرهم و جيش كثيف إلى الديار المصرية مقيدا محتفظا عليه، و رجع ابن ملك الأمراء بالتحف و الهدايا و الخلع و الانعام لوالده، و لحاجب الحجاب، و لبس ذلك الأمراء يوم الجمعة و احتفل الناس بالشموع و غيرها، ثم تواترت الأخبار بدخول منجك إلى السلطان و عفوه عنه و خلعته الكاملة عليه و إطلاقه له الحسام و الخيول المسومة و الألبسة المفتخرة، و الأموال و الأمان، و تقديم الأمراء و الأكابر له من سائر صنوف التحف، و قدوم الأمير على من صغد قاصدا إلى حماة لنيابتها، فنزل القصر الأبلق ليلة الخميس رابع صفر و توجه ليلة الأحد سابعه.
و في يوم الخميس الثامن عشر من صفر قدم القاضي بهاء الدين أبو البقاء من طرابلس بمرسوم شريف أن يعود إلى دمشق على وظائفه المبقاة عليه، و قد كان ولده ولى الدين ينوب عنه فيها، فتلقاه كثير من الناس إلى أثناء الطريق، و برز إليه قاضى القضاة تاج الدين إلى حرستا، و راح الناس إلى