البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٩ - عجيبة من عجائب الدهر
المتشبهين بالصالحين و ليسوا منهم، سمع الحديث من الشيخ فخر الدين بن البخاري و غيره و قرأت عليه عن ابن البخاري مختصر المشيخة، و لازم مجالس الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه)، و انتفع به، و دفن بمقابر باب الصغير.
و في شهر رمضان المعظم أوله يوم الجمعة، كان قد نودي في الجيش: آن الرحيل لملتقى السلطان في سابع الشهر، ثم تأخر ذلك إلى بعد العشر، ثم جاء كتاب من السلطان بتأخر ذلك إلى بعد العيد و قدم في عاشر الشهر علاء الدين بن تقى الدين الحنفي، و معه ولاية من السلطان الناصر بنظر البيمارستان النوري، و مشيخة الربوة و مرتب على الجهات السلطانية، و كان قد قدم قبله القاضي شهاب الدين بن البارزي بقضاء حمص من السلطان أيده اللَّه تعالى، ففرح الناس بذلك حيث تكلم السلطان في المملكة و باشر و أمر و ولى و وقع و للَّه الحمد. و في يوم الأربعاء ثالث عشره دخل الأمير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الأخضر من البلاد الحلبية إلى دمشق المحروسة، و تلقاه الفخرى و الأمراء و الجيش بكماله، و دخل في أبهة حسنة و دعا له الناس و فرحوا بقدومه بعد شتاته في البلاد و هربه من بين يدي الطنبغا حين قصده إلى حلب كما تقدم ذكره.
و في يوم الخميس رابع عشره خرجت الجيوش من دمشق قاصدين إلى غزة لنظرة السلطان حين يخرج من الكرك السعيد، فخرج يومئذ مقدمان: تغردمر و اقبغا عبد الواحد فبرزا إلى الكسوة، فلما كان يوم السبت خرج الفخرى و معه طشتمر و جمهور الأمراء، و لم يقم بعده بدمشق إلا من احتيج لمقامهم لمهمات المملكة، و خرج معه القضاة الأربعة، و قاضى العساكر و الموقعين و المصاحب و كاتب الجيش و خلق كثير.
و توفى الشيخ الصالح العابد الناسك أحمد بن .. الملقب بالقصيدة ليلة الأحد الرابع و العشرين من رمضان، و صلى عليه بجامع شكر، و دفن بالصوفية قريبا من قبر الشيخ جمال الدين المزي، تغمدهما اللَّه برحمته، و كان فيه صلاح كثير، و مواظبة على الصلاة في جماعة، و أمر بمعروف و نهى عن منكر مشكورا عند الناس بالخير، و كان يكثر من خدمة المرضى بالمارستان و غيره، و فيه إيثار و قناعة و تزهد كثير، و له أحوال مشهورة (رحمه اللَّه) و إيانا.
و اشتهر في أواخر الشهر المذكور أن السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد خرج من الكرك المحروس صحبة جماعة من العرب و الأتراك قاصدا إلى الديار المصرية، ثم تحرر خروجه منها في يوم الاثنين ثامن عشر الشهر المذكور فدخل الديار المصرية بعد أيام. هذا و الجيش صامدون إليه، فلما تحقق دخوله مصر حثوا في السير إلى الديار المصرية، و بعث يستحثهم أيضا، و اشتهر أنه لم يجلس على سرير الملك حتى يقدم الأمراء الشاميون صحبة نائبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى، و لهذا لم تدق