البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - مملكة السلطان الملك الصالح
الصالح، و أمه صالحة بنت ملك الأمراء تنكز الّذي كان نائب الشام مدة طويلة، و هو ابن أربع عشرة سنة، و جاءت الأمراء للحلف، فدقت البشائر و زين البلد على العادة، و قيل إن الملك الناصر حسن خنق و رجعت الأمراء الذين كانوا باسكندرية مثل شيخون و منجك و غيرهما، و أرسلوا إلى يلبغا فجيء به من الكرك، و كان مسجونا بها من مرجعه من الحج، فلما عاد إلى الديار المصرية شفع في صاحب اليمن الملك المجاهد الّذي كان مسجونا في الكرك فأخرج و عاد إلى الديار الحجازية.
و أما الأمراء الذين كانوا من ناحية السلطان حين مسك معارضة أمير أخور و ميكلى بغا الفخرى و غيرهما، فاحتيط عليهم و أرسلوا إلى الاسكندرية، و خطب للملك الصالح بجامع دمشق يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب و حضر نائب السلطنة و الأمراء و القضاة للدعاء له بالمقصورة على العادة.
و في أثناء العشر الأخير من رجب عزل نائب السلطنة سيف الدين أيتمش عن دمشق مطلوبا إلى الديار المصرية فسار إليها يوم الخميس. و في يوم الاثنين حادي عشر شعبان قدم الأمير سيف الدين أرغون الكاملي الّذي كان نائبا على الديار الحلبية من هناك، فدخل دمشق في هذا اليوم في أبهة عظيمة، و خرج الأمراء و المقدمون و أرباب الوظائف لتلقيه إلى أثناء الطريق، منهم من وصل إلى حلب و حماة و حمص، و جرى في هذا اليوم عجائب لم تر من دهور، و استبشر الناس به لصرامته و شهامته و حدته، و ما كان من لين الّذي قبله و رخاوته، فنزل دار السعادة على العادة. و في يوم السبت وقف في موكب هائل قيل إنه لم ير مثله من مدة طويلة، و لما سير إلى ناحية باب الفرج اشتكى إليه ثلاث نسوة على أمير كبير يقال له الطرخاين، فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل و أوقف معهن في الحكومة، و استمر بطلان الوقيد في الجامع الأموي في هذا العام أيضا كالذي قبله، حسب مرسوم السلطان الناصر حسن (رحمه اللَّه)، ففرح أهل الخير بذلك فرحا شديدا، و هذا شيء لم يعهد مثله من نحو ثلاثمائة سنة و للَّه الحمد و المنة، و نودي في البلد في هذا اليوم و الّذي بعده عن النائب: من وجد جنديا سكرانا فلينزله عن فرسه و ليأخذ ثيابه، و من أحضره من الجند إلى دار السعادة فله خبزه، ففرح الناس بذلك و احتجر على الخمارين و العصارين، و رخصت الأعتاب و جادت الأخباز و اللحم بعد أن كان بلغ كل رطل أربعة و نصفا، فصار بدرهمين و نصف، و أقل، و أصلحت المعايش من هيبة النائب، و صار له صيت حسن، و ذكر جميل في الناس بالعدل و جودة القصد و صحة الفهم و قوة العدل و الإدراك.
و في يوم الاثنين ثامن عشر شعبان وصل الأمير أحمد بن شاد الشريخاناه الّذي كان قد عصى في صغد، و كان من أمره ما كان، فاعتقل بالإسكندرية ثم أخرج في هذه الدولة و أعطى نيابة حماة فدخل دمشق في هذا اليوم سافرا إلى حماة، فركب مع النائب مع الموكب و سير عن يمينه و نزل في خدمته