البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - وفاة قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز بن حاتم الشافعيّ
رومية إلى إسطنبول و هي القسطنطينية، و قد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الّذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك. لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية، و إنما أذن له في المقام بالشام الشريف لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه و عن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي و النكال و الجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الاسكندرية، و أحضر لي الكتب إليه و إلى ملك إسطنبول و قرأها على من لفظه لعنه اللَّه و لعن المكتوب إليهم أيضا. و قد تكلمت معه في دينهم و نصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة، و هم الملكية و اليعقوبية و منهم الافرنج و القبط، و النسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء، و لكن حاصله أنه حمار من أكفر الكفار لعنه اللَّه.
و في هذا الشهر بلغنا استعادة السلطان أويس ابن الشيخ حسن ملك العراق و خراسان لبغداد من يد الطواشى مرجان الّذي كان نائبة عليهما، و امتنع من طاعة أويس، فجاء إليه في جحافل كثيرة فهرب مرجان و دخل أويس إلى بغداد دخولا هائلا، و كان يوما مشهودا.
و في يوم السبت السابع و العشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بيدمر من الديار المصرية على البريد أمير مائة مقدم ألف، و على نيابة يلبغا في جميع دواوينه بدمشق و غيرها، و على إمارة البحر و عمل المراكب، فلما قدم أمر بجمع جميع النشارين و النجارين و الحدادين و تجهيزهم لبيروت لقطع الأخشاب، فسيروا يوم الأربعاء ثانى رمضان و هو عازم على اللحاق بهم إلى هنالك و باللَّه المستعان. ثم أتبعوا بآخرين من نجارين و حدادين و عتالين و غير ذلك، و جعلوا كل من وجدوه من ركاب الحمير ينزلونه و يركبوا إلى ناحية البقاع، و سخروا لهم من الصناع و غيرهم، و جرت خبطة عظيمة و تباكى عوائلهم و أطفالهم، و لم يسلفوا شيئا من أجورهم، و كان من اللائق أن يسلفوه حتى يتركوه إلى أولادهم.
و خطب برهان الدين المقدسي الحنفي بجامع يلبغا عن تقى الدين ابن قاضى القضاة شرف الدين الكفري، بمرسوم شريف و مرسوم نائب صفد استدمر أخى يلبغا، و شق ذلك عليه و على جده و جماعتهم، و ذلك يوم الجمعة الرابع من رمضان، هذا و حضر عنده خلق كثير.
و في يوم الخميس الرابع و العشرين منه قرئ تقليد قاضى القضاة شرف الدين بن قاضى الجبل لقضاء الحنابلة، عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين المرداوي، عزل هو و المالكي معه أيضا، بسبب أمور تقدم نسبتها لهما و قرئ التقليد بمحراب الحنابلة، و حضر عنده الشافعيّ و الحنفي، و كان المالكي معتكفا بالقاعة من المنارة الغربية، فلم يخرج إليهم لأنه معزول أيضا برأي قاضى حماة، و قد وقعت شرور و تخبيط بالصالحية و غيرها.