البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - ثم دخلت سنة أربعين و سبعمائة
و فيها وقف كتبه بدار الحديث السنية، و بدار الحديث القوصية و في الجامع و غيره و على كراسي الحديث، و كان متواضعا محببا إلى الناس، متوددا إليهم، توفى عن أربع و سبعين سنة (رحمه اللَّه).
المؤرخ شمس الدين
محمد بن إبراهيم الجوزي، جمع تاريخا حافلا، كتب فيه أشياء يستفيد منها الحافظ كالمزى و الذهبي و البرزالي يكتبون عنه و يعتمدون على نقله، و كان شيخا قد جاوز الثمانين، و ثقل سمعه و ضعف خطه، و هو والد الشيخ ناصر الدين محمد و أخوه مجد الدين.
ثم دخلت سنة أربعين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان المسلمين الملك الناصر، و ولاته و قضاته المذكورون في التي قبلها إلا الشافعيّ بالشام فتوفى القزويني و تولى العلامة السبكى. و مما وقع من الحوادث العظيمة الهائلة أن جماعة من رءوس النصارى اجتمعوا في كنيستهم و جمعوا من بينهم مالا جزيلا فدفعوه إلى راهبين قدما عليها من بلاد الروم، يحسنان صنعة النفط، اسم أحدهما ملانى و الآخر عازر، فعملا كحطا من نفط، و تلطفا حتى عملاه لا يظهر تأثيره إلا بعد أربع ساعات و أكثر من ذلك، فوضعا في شقوق دكاكين التجار في سوق الرجال عند الدهشة في عدة دكاكين من آخر النهار، بحيث لا يشعر أحد بهما، و هما في زي المسلمين، فلما كان في أثناء الليل لم يشعر الناس إلا و النار قد عملت في تلك الدكاكين حتى تعلقت في درابزينات المئذنة الشرقية المتجهة للسوق المذكور، و أحرقت الدرابزينات، و جاء نائب السلطنة تنكز و الأمراء أمراء الألوف، و صعدوا المنارة و هي تشعل نارا، و احترسوا عن الجامع فلم ينله شيء من الحريق و للَّه الحمد و المنة، و أما المئذنة فإنها تفجرت أحجارها و احترقت السقالات التي تدل السلالم فهدمت و أعيد بناؤها بحجارة جدد، و هي المنارة الشرقية التي جاء في الحديث أنه ينزل عليها عيسى ابن مريم كما سيأتي الكلام عليه في نزول عيسى عليه السلام و البلد محاصر بالدجال.
و المقصود أن النصارى بعد ليال عمدوا إلى ناحية الجامع من المغرب إلى القيسارية بكمالها، و بما فيها من الأقواس و العدد، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و تطاير شرر النار إلى ما حول القيسارية من الدور و المساكن و المدارس، و احترق جانب من المدرسة الأمينية إلى جانب المدرسة المذكورة و ما كان مقصودهم الا وصول النار إلى معبد المسلمين، فحال اللَّه بينهم و بين ما يرومون، و جاء نائب السلطنة و الأمراء و حالوا بين الحريق و المسجد، جزاهم اللَّه خيرا. و لما تحقق نائب السلطنة أن هذا من فعلهم أمر بمسك رءوس النصارى فأمسك منهم نحوا من ستين رجلا، فأخذوا بالمصادرات و الضرب و العقوبات و أنواع المثلات، ثم بعد ذلك صلب منهم أزيد من عشرة على الجمال، و طاف بهم في أرجاء البلاد و جعلوا يتماوتون واحدا بعد واحد، ثم أحرقوا بالنار حتى صاروا رمادا لعنهم اللَّه، انتهى