البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢ - عجيبة من عجائب البحر
ابن جماعة، و على الفارقيّ بالخطابة، و على الأمير ركن الدين بيبرس العلاوى بشد الدواوين و هنأهم الناس، و حضر نائب السلطنة و الأعيان المقصورة لسماع الخطبة، و قرئ تقليد ابن صصريّ بعد الصلاة ثم جلس في الشباك الكمالي و قرئ تقليده مرة ثانية، و في جمادى الاولى وقع بيد نائب السلطنة كتاب مزور فيه أن الشيخ تقى الدين بن تيمية و القاضي شمس الدين بن الحريري و جماعة من الأمراء و الخواص الذين بباب السلطنة يناصحون التتر و يكاتبوهم، و يريدون تولية قبجق على الشام و أن الشيخ كمال الدين بن الزملكانى يعلمهم بأحوال الأمير جمال الدين الأفرم، و كذلك كمال الدين بن العطار، فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أن هذا مفتعل، ففحص عن واضعه فإذا هو فقير كان مجاورا بالبيت الّذي كان مجاور محراب الصحابة، يقال له اليعفورى، و آخر معه يقال له أحمد الغنارى، و كانا معروفين بالشر و الفضول، و وجد معهما مسودة هذا الكتاب، فتحقق نائب السلطنة ذلك فعزرا تعزيرا عنيفا، ثم وسطا بعد ذلك و قطعت يد الكاتب الّذي كتب لهما هذا الكتاب، و هو التاج المناديلى. و في أواخر جمادى الأولى انتقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري إلى نيابة القلعة عوضا عن أرجواش.
عجيبة من عجائب البحر
قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه لما كان بتاريخ يوم الخميس رابع جمادى الآخرة ظهرت دابة من البحر عجيبة الخلقة من بحر النيل إلى أرض المنوفية، بين بلاد منية مسعود و اصطبارى و الراهب، و هذه صفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، و آذانها كآذان الجمل، و عيناها و فرجها مثل الناقة، يغطى فرجها ذنب طوله شبر و نصف كذنب السمكة، و رقبتها مثل غلظ التنين المحشو تبنا، و فمها و شفتاها مثل الكربال، و لها أربعة أنياب اثنان من فوق و اثنان من أسفل، طول كل واحد دون الشبر في عرض إصبعين، و في فمها ثمان و أربعون ضرسا و سن مثل بيادق الشطرنج، و طول يديها من باطنها إلى الأرض شبران و نصف و من ركبتها إلى حافرها مثل بطن الثعبان، أصفر مجعد، و دور حافرها مثل السكرجة بأربعة أظافير مثل أظافير الجمل، و عرض ظهرها مقدار ذراعين و نصف، و طولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما و في بطنها ثلاثة كروش، و لحمها أحمر و زفر مثل السمك، و طعمه كلحم الجمل، و غلظه أربعة أصابع ما تعمل فيه السيوف، و حمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله على جمل بعد جمل و أحضروه إلى بين يدي السلطان بالقلعة و حشوه تبنا و أقاموه بين يديه و اللَّه أعلم.
و في شهر رجب قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك و اشتد خوفهم جدا، و قنت الخطيب في الصلوات و قرئ البخاري، و شرع الناس في الجفل إلى الديار المصرية