البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - الاحتياط على الكتبة و الدواوين
تهنئته إلى داره، و فرحوا برجوعه إلى وطنه. و وقع مطر عظيم في أول هذا الشهر، و هو أثناء شهر شباط، و ثلج عظيم، فرويت البساتين التي كانت لها عن الماء عدة شهور، و لا يحصل لأحد من الناس سقى إلا بكلفة عظيمة و مشقة، و مبلغ كثير، حتى كاد الناس يقتتلون عليه بالأيدي و الدبابيس و غير ذلك من البذل الكثير، و ذلك في شهور كانون الأول و الثاني، و أول شباط، و ذلك لقلة مياه الأنهار و ضعفها، و كذلك بلاد حوران أكثرهم يروون من أماكن بعيدة في هذه الشهور، ثم من اللَّه تعالى فجرت الأودية و كثرت الامطار و الثلوج، و غزرت الأنهار و للَّه الحمد و المنة. و توالت الأمطار، فكأنه حصل السيل في هذه السنة من كانون إلى شباط فكان شباط هو كانون و كانون لم يسل فيه ميزاب واحد. و وصل في هذا الشهر الأمير سيف الدين منجك إلى القدس الشريف ليبتنى للسلطان مدرسة و خانقاه غربي المسجد الشريف، و أحضر الفرمان الّذي كتب له بماء الذهب إلى دمشق و شاهده الناس و وقعت على نسخته و فيها تعظيم زائد و مدح و ثناء له، و شكر على متقدم خدمه لهذه الدولة، و العفو عما مضى من زلاته، و ذكر سيرته بعبارة حسنة.
و في أوائل شهر ربيع الآخر رسم على المعلم سنجر مملوك ابن هلال صاحب الأموال الجزيلة بمرسوم شريف قدم مع البريد و طلب منه ستمائة ألف درهم، و احتيط على العمارة التي أنشأها عند باب النطافيين ليجعلها مدرسة، و رسم بأن يعمر مكانها مكتب للأيتام، و أن يوقف عليهم كتابتهم جارية عليهم، و كذلك رسم بأن يجعل في كل مدرسة من مدارس المملكة الكبار، و هذا مقصد جيد. و سلم المعلم سنجر إلى شاد الدواوين يستخلص منه المبلغ المذكور سريعا، فعاجل بحمل مائتي ألف، و سيرت مع أمير عشرة إلى الديار المصرية.
الاحتياط على الكتبة و الدواوين
و في يوم الأربعاء خامس عشر ربيع الآخر ورد من الديار المصرية أمير معه مرسوم بالاحتياط على دواوين السلطان، بسبب ما أكلوا من الأموال المرتبة للناس من الصدقات السلطانية و غير ذلك فرسم عليهم بدار العدل البرانية و ألزموا بأموال جزيلة كثيرة، بحيث احتاجوا إلى بيع أثاثهم و أقمشتهم و فرشهم و أمتعتهم و غيرها، حتى ذكر أن منهم من لم يكن له شيء يعطيه فأحضر بناته إلى الدكة ليبيعهن فتباكى الناس و انتحبوا رحمة و رقة لأبيهن، ثم أطلق بعضهم و هم الضعفاء منهم و الفقراء الذين لا شيء معهم، و بقيت الغرامة على الكبراء منهم، كالصاحب و المستوفيين، ثم شددت عليهم المطالبة و ضربوا ضربا مبرحا، و ألزموا الصاحب بمال كثير بحيث إنه احتاج إلى أن سأل من الأمراء و الأكابر و التجار بنفسه و باوراقه، فأسعفوه بمبلغ كثير يقارب ما ألزم به، بعد أن عرى ليضرب، و لكن ترك و اشتهر أنه قد عين عوضه من الديار المصرية، انتهى.