البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و سبعمائة
الهرب إلى بلاد الشرق، فاحتيط عليه حتى أمسكوه.
و في ليلة الأربعاء السادس و العشرين من ذي الحجة قدم الأمير سيف الدين طاز من القدس فنزل بالقصر الأبلق، و قد عمى من الكحل حين كان مسجونا بالإسكندرية، فأطلق كما ذكرنا، و نزل ببيت المقدس مدة، ثم جاءه تقليد بأنه يكون ظرخانا ينزل حيث شاء من بلاد السلطان، غير أنه لا يدخل ديار مصر، فجاء فنزل بالقصر الأبلق، و جاء الناس إليه على طبقاتهم- نائب السلطنة فمن دونه- يسلمون عليه و هو لا يبصر شيئا، و هو على عزم أن يشترى أو يستكرى له دارا بدمشق يسكنها. انتهى و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و سبعمائة
استهلت هذه السنة و سلطان الديار المصرية و الشامية و الحرمين الشريفين و ما والاهما من الممالك الإسلامية السلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المظفر أمير حاج بن الملك المنصور قلاوون، و هو شاب دون العشرين، و مدبر الممالك بين يديه الأمير يلبغا، و نائب الديار المصرية طشتمر، و قضاتها هم المذكورون في التي قبلها، و الوزير سيف الدين قزوينة، و هو مريض مدنف و نائب الشام بدمشق الأمير علاء الدين المارداني، و قضاته هم المذكورون في التي قبلها، و كذلك الخطيب و وكيل بيت المال و المحتسب علاء الدين الأنصاري، عاد إليها في السنة المنفصلة، و حاجب الحجاب قماري، و الّذي يليه السليماني و آخر من مصر أيضا، و كاتب السر القاضي ناصر الدين محمد بن يعقوب الحلبي، و ناظر الجامع القاضي تقى الدين بن مراجل، و أخبرنى قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ أنه جدد في أول هذه السنة قاضى حنفي بمدينة صغد المحروسة مع الشافعيّ، فصار في كل من حماة و طرابلس و صغد قاضيان شافعيّ و حنفي.
و في ثانى المحرم قدم نائب السلطنة بعد غيبة نحو من خمسة عشر يوما، و قد أوطأ بلاد فرير بالرعب، و أخذ من مقدميهم طائفة فأودعهم الحبس، و كان قد اشتهر أنه قصد العشيرات المواسين ببلاد عجلون، فسألته عن ذلك حين سلمت عليه فأخبرني أنه لم يتعد ناحية فرير، و أن العشيرات قد اصطلحوا و اتفقوا، و أن التجريدة عندهم هناك. قال: و قد كبس الأعراب من حرم الترك فهزمهم الترك و قتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم ظهر للعرب كمين فلجأ الترك إلى وادي صرح فحصروهم هنالك، ثم ولت الأعراب فرارا و لم يقتل من الترك أحد، و إنما جرح منهم أمير واحد فقط، و قتل من الأعراب فوق الخمسين نفسا.
و قدم الحجاج يوم الأحد الثاني و العشرين من المحرم، و دخل المحمل السلطاني ليلة الاثنين بعد العشاء، و لم يحتفل لدخوله كما جرت به العادة، و ذلك لشدة ما نال الركب في الرجعة من بريز إلى هنا