البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - دخول يلبغا أروش إلى دمشق
من كان معه من أمراء الطبلخانات قريبا من ستين أمير أو يزيدون أو ينقصون، على ما استفاض عن غير واحد ممن شاهد ذلك، ثم سار قريبا من الزوال للمخيم الّذي ضرب له قبل مسجد القدم عند قبة يلبغا، عند الجدول الّذي هنالك، و كان يوما مشهودا هائلا، لما عاين الناس من كثرة الجيوش و العدد، و عذر كثير من الناس صاحب دمشق في ذهابه بمن معه لئلا يقابل هؤلاء. فنسأل اللَّه أن يجمع قلوبهم على ما فيه صلاح المسلمين. و قد أرسل إلى نائب القلعة و هو الأمير سيف الدين إباجي يطلب منه حواصل أرغون التي عنده، فامتنع عليه أيضا، و قد حصن القلعة و سترها و أرصد فيها الرجال و الرماة و العدد، و هيأنها بعض المجانيق ليبعد بها فوق الابرجة، و أمر أهل البلد أن لا يفتحوا الدكاكين و يغلقوا الأسواق، و جعل يغلق أبواب البلد إلا بابا أو بابين منها، و اشتد حنق العسكر عليه، و هموا بأشياء كثيرة من الشر، ثم يرعوون عن الناس و اللَّه المسلم، غير أن إقبال العسكر و أطرافه قد عاثوا فيما جاوروه من القرايا و البساتين و الكروم و الزروع فيأخذون ما يأكلون و تأكل دوابهم، و أكثر من ذلك ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و نهبت قرايا كثيرة و فجروا بنساء و بنات، و عظم الخطب، و أما التجار و من يذكر بكثرة مال فأكثرهم مختف لا يظهر لما يخشى من المصادرة، نسأل اللَّه أن يحسن عاقبتهم.
و استهل شهر شعبان و أهل البلد في خوف شديد، و أهل القرايا و الحواضر في نقلة أثاثهم و بقارهم و دوابهم و أبنائهم و نسائهم، و أكثر أبواب البلد مغلقة سوى بابي الفراديس و الجابية، و في كل يوم نسمع بأمور كثيرة من النهب للقرايا و الحواضر، حتى انتقل كثير من أهل الصالحية أو أكثرهم، و كذلك من أهل العقبية و سائر حواضر البلد، فنزلوا عند معارفهم و أصحابهم، و منهم من نزل على قارعة الطريق بنسائهم و أولادهم، فلا حول و لا قوة إلا باللَّه العلى العظيم. و قال كثير من المشايخ الذين أدركوا زمن قازان: إن هذا الوقت كان أصعب من ذلك لما ترك الناس من ورائهم من الغلات و الثمار التي هي عمدة قوتهم في سنتهم، و أما أهل البلد ففي قلق شديد أيضا لما يبلغهم عنهم من الفجور بالنساء، و يجعلون يدعون عقيب الصلوات عليهم يصرحون بأسمائهم و يعنون بأسماء أمرائهم و أتباعهم و نائب القلعة الأمير سيف الدين إباجي في كل وقت يسكن جأش الناس و يقوى عزمهم و يبشرهم بخروج العساكر المنصورة من الديار المصرية صحبة السلطان إلى بلاد غزة حيث الجيش الدمشقيّ، ليجيئوا كلهم في خدمته و بين يديه، و تدق البشائر فيفرح الناس ثم تسكن الأخبار و تبطل الروايات فتقلق و يخرجون في كل يوم و ساعة في تجمل عظيم و وعد و هيئات حسنة، ثم جاء السلطان أيده اللَّه تعالى و قد ترجل الأمراء بين يديه من حين بسط له عند مسجد الدبان إلى داخل القلعة المنصورة، و هو لابس قباء أحمر له قيمته على فرس أصيلة مؤدبة معلمة المشي على القوس لا تحيد عنه، و هو حسن