البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - دخول يلبغا أروش إلى دمشق
الصورة مقبول الطلعة، عليه بهاء المملكة و الرئاسة، و الخز فوق رأسه يحمله بعض الأمراء الأكابر، و كلما عاينه من عاينه من الناس يبتهلون بالدعاء بأصوات عالية، و النساء بالزغرطة، و فرح الناس فرحا شديدا، و كان يوما مشهودا، و أمرا حميدا، جعله اللَّه مباركا على المسلمين. فنزل بالقلعة المنصورة، و قد قدم معه الخليفة المعتضد أبو الفتح بن أبى بكر المستكفي باللَّه أبى الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللَّه أبى العباس أحمد، و كان راكبا إلى جانبه من ناحية اليسار، و نزل بالمدرسة الدماغية في أواخر هذا اليوم سائر الأمراء مع نائب الشام، و مقدمهم طار و شيخون في طلب يلبغا و من معه من البغاة المفسدين.
و في يوم الجمعة ثانيه حضر السلطان أيده اللَّه إلى الجامع الأموي و صلى فيه الجمعة بالمشهد الّذي يصلى فيه نواب السلطان أيده اللَّه، فكثر الدعاء و المحبة له ذاهبا و آئبا تقبل اللَّه منه، و كذلك فعل الجمعة الأخرى و هي تاسع الشهر. و في يوم السبت عاشره اجتمعنا- يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف (رحمه اللَّه)- بالخليفة المعتضد باللَّه أبى الفتح بن أبى بكر بن المستكفي باللَّه أبى الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللَّه أبى العباس أحمد، و سلمنا عليه و هو نازل بالمدرسة الدماغية، داخل باب الفرج و قرأت عنده جزءا فيه ما رواه أحمد بن حنبل عن محمد بن إدريس الشافعيّ في مسندة، و ذلك عن الشيخ عز الدين بن الضيا الحموي بسماعه من ابن البخاري، و زينب بنت مكي عن أحمد بن الحصين عن ابن المذهب عن أبى بكر بن مالك عن عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه فذكرهما، و المقصود أنه شاب حسن الشكل مليح الكلام متواضع جيد الفهم حلو العبارة رحم اللَّه سلفه.
و في رابع عشره قدم البريد من بلاد حلب بسيوف الأمراء الممسوكين من أصحاب يلبغا.
و في يوم الخميس خامس عشره نزل السلطان الملك الصالح من الطارمة إلى القصر الأبلق في أبهة المملكة، و لم يحضر يوم الجمعة إلى الصلاة، بل اقتصر على الصلاة بالقصر المذكور. و في يوم الجمعة باكر النهار دخل الأمير سيف الدين شيخون و طار بمن معهما من العساكر من بلاد حلب، و قد فات تدارك يلبغا و أصحابه لدخولهم بلاد زلغادر التركماني بمن بقي معهم، و هم القليل، و قد أسر جماعة من الأمراء الذين كانوا معه، و هم في القيود و السلاسل صحبة الأميرين المذكورين، فدخلا على السلطان و هو بالقصر الأبلق فسلما عليه و قبلا الأرض و هنئاه بالعيد، و نزل طار بدار أيتمش بالشرق الشمالي، و نزل شيخون بدار إياس الحاجب بالقرب من الظاهرية البرانية، و نزل بقية الجيش في أرجاء البلد، و أما الأمير سيف الدين أرغون فأقام بحلب نائبا عن سؤاله إلى ما ذكر، و خوطب في تقليده بألقاب هائلة، و لبس خلعة سنية، و عظم تعظيما زائدا، ليكون هناك إلبا على يلبغا و أصحابه لشدة ما بينهما من العداوة. ثم صلى السلطان بمن معه من المصريين و من انضاف إليهم من الشاميين صلاة عيد الفطر