البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - صفة وقعة شقحب
السير إلى دمشق فسار إليه فحثه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو و إياه جميعا فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، و نحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، و حرض السلطان على القتال و بشره بالنصر و جعل يحلف باللَّه الّذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء اللَّه، فيقول إن شاء اللَّه تحقيقا لا تعليقا. و أفتى الناس بالفطر مدة قتالهم و أفطر هو أيضا، و كان يدور على الأجناد و الأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل فيأكل الناس، و كان يتأول في الشاميين
قوله (صلى اللَّه عليه و سلم) «إنكم ملاقوا العدو غدا، و الفطر أقوى لكم»
فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبى سعيد الخدريّ. و كان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان، و لما اصطفت العساكر و التحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما، و أمر بجواده فقيد حتى لا يهرب، و بايع اللَّه تعالى في ذلك الموقف، و جرت خطوب عظيمة، و قتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي أستاذ دار السلطان، و ثمانية من الأمراء المقدمين معه، و صلاح الدين بن الملك السعيد الكامل بن السعيد بن الصالح إسماعيل، و خلق من كبار الأمراء، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ، و استظهر المسلمون عليهم و للَّه الحمد و المنة.
فلما جاء الليل لجأ التتر إلى اقتحام التلول و الجبال و الآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، و يرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا اللَّه عز و جل، و جعلوا يجيئون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم قليل، ثم كانوا يتساقطون في الأودية و المهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بسبب الظلام، و كشف اللَّه بذلك عن المسلمين غمة عظيمة شديدة، و للَّه الحمد و المنة.
و دخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان و بين يديه الخليفة، و زينت البلد، و فرح كل واحد من أهل الجمعة و السبت و الأحد [١]، فنزل السلطان في القصر الأبلق و الميدان، ثم تجول إلى القلعة يوم الخميس و صلى بها الجمعة و خلع على نواب البلاد و أمرهم بالرجوع إلى بلادهم، و استقرت الخواطر، و ذهب اليأس و طابت قلوب الناس، و عزل السلطان ابن النحاس عن ولاية المدينة و جعل مكانه الأمير علاء الدين آيدغدي أمير علم، و عزل صارم الدين إبراهيم والى الخاص عن ولاية البر و جعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين الصغير، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان و عيد بدمشق.
و طلب الصوفية من نائب دمشق الأفرم أن يولى عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفى الدين
[١] يعنى من المسلمين و اليهود و النصارى.