البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - تجديد خطبة ثانية داخل سور دمشق و لم يتفق ذلك فيما أعلم منذ فتوح الشام إلى الآن
بمسند الامام أحمد، و اختصر كتابا في أسماء الرجال مفيدا، و ولى مشيخة الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القاسم بن عساكر، داخل باب توما، و ختمت البخاريات في آخر شهر رمضان.
و وقع بين الشيخ عماد الدين بن السراج قارئ البخاري عند محراب الصحابة، و بين الشيخ بدر الدين بن الشيخ جمال الدين الشريشنى، و تهاترا على رءوس الاشهاد بسبب لفظة «يبتز» بمعنى يدخر، و في نسخة يتير، فحكى ابن السراج عن الحافظ المزي أن الصواب «يبتز» من قول العرب عزبز، و صدق في ذلك، فكأن منازعة خطأ ابن المزي، فانتصر الآخر للحافظ المزي، فقاد منه بالقول ثم قام والده الشيخ جمال الدين المشار إليه فكشف رأسه على طريقة الصوفية، فكأن ابن السراج لم يلتفت إليه، و تدافعوا إلى القاضي الشافعيّ فانتصر للحافظ المزي، و جرت أمور، ثم اصطلحوا غير مرة و عزم أولئك على كتب محضر على ابن السراج، ثم انطفأت تلك الشرور.
و كثر الموت في أثناء شهر رمضان و قاربت العدة مائة، و ربما جاوزت المائة، و ربما كانت أقل منها و هو الغالب، و مات جماعة من الأصحاب و المعارف، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كثر الجراد في البساتين و عظم الخطب بسببه، و أتلف شيئا كثيرا من الغلات و الثمار و الخضراوات، و غلت الأسعار و قلت الثمار، و ارتفعت قيم الأشياء فبيع الدبس بما فوق المائتين القنطار، و الرز بأزيد من ذلك. و تكامل فتح باب كيسان و سموه الباب القبلي، و وضع الجسر منه إلى الطريق السالكة، و عرضه أزيد من عشرة أذرع بالنجارى لأجل عمل الباسورة جنبتيه، و دخلت المارة عليه من المشاة و الركبان، و جاء في غاية الحسن، و سلك الناس في حارات اليهود، و انكشف دخلهم و أمن الناس من دخنهم و غشهم و مكرهم و خبثهم، و انفرج الناس بهذا الباب المبارك.
و استهل شوال و الجراد قد أتلف شيئا كثيرا من البلاد، و رعى الخضروات و الأشجار، و أوسع أهل الشام في الفساد، و غلت الأسعار، و استمر الفناء و كثر الضجيج و البكاء، و فقدنا كثيرا من الأصحاب و الأصدقاء، فلان مات. و قد تناقص الفناء في هذه المدة و قل الوقع و تناقص للخمسين. و في شهر ذي القعدة تقاصر الفناء و للَّه الحمد، و نزل العدد إلى العشرين فما حولها، و في رابعه دخل بالفيل و الزرافة إلى مدينة دمشق من القاهرة، فأنزل في الميدان الأخضر قريبا من القصر الأبلق، و ذهب الناس للنظر إليهما على العادة.
و في يوم الجمعة تاسعه صلى على الشيخ جمال الدين عبد الصمد بن خليل البغدادي، المعروف بابن الخضرى، محدث بغداد و واعظها، كان من أهل السنة و الجماعة (رحمه اللَّه) انتهى.
تجديد خطبة ثانية داخل سور دمشق و لم يتفق ذلك فيما أعلم منذ فتوح الشام إلى الآن
اتفق ذلك في يوم الجمعة الثالث، ثم تبين أنه الرابع و العشرين من ذي القعدة من هذه السنة