البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - استيلاء الفرنج لعنهم اللَّه على مدينة الاسكندرية
نائب السلطنة بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، و أن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الاسكندرية، و لعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى و طلبوا من بيوتهم بعنف و خافوا أن يقتلوا، و لم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب، و لم تكن هذه الحركة شرعية، و لا يجوز اعتمادها شرعا، و قد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة، و كان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسا كثيرا، و رأيته كامل الرأى و الفهم، حسن العبارة كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، فقال إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك، فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعا، و لا يجوز لأحد أن يفتى بهذا، و متى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة و الصغار، و أحكام الملة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد- الفرد- فوق ما يبذلونه من الجزية، و مثل هذا لا يخفى على الأمير. فقال: كيف أصنع و قد ورد المرسوم بذلك و لا يمكنني أن أخالفه؟ و ذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الإرهاب و وعيد العقاب، و أنه يجوز ذلك و إن لم يفعل ما يتوعدهم به، كما قال سليمان بن داود عليهما السلام: «ائتوني بالسكين أشقه نصفين» كما هو الحديث مبسوط في الصحيحين، فجعل يعجبه هذا جدا، و ذكر أن هذا كان في قلبه و أنى كاشفته بهذا، و أنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية، و سيأتي جوابها بعد عشرة أيام، فتجيء حتى تقف على الجواب، و ظهر منه إحسان و قبول و إكرام زائد (رحمه اللَّه). ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل شهر ربيع الأول فبشرني أنه قد رسم بعمل الشواني و المراكب لغزو الفرنج و للَّه الحمد و المنة. ثم في صبيحة يوم الأحد طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه و هم قريب من أربعمائة فحلفهم كم أموالهم و ألزمهم بأداء الربع من أموالهم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و قد أمروا إلى الولاة بإحضار من في معاملتهم، و والى البر قد خرج إلى القرايا بسبب ذلك، و جردت أمراء إلى النواحي لاستخلاص الأموال من النصارى في القدس و غير ذلك.
و في أول شهر ربيع الأول كان سفر قاضى القضاة تقى الدين السبكى الشافعيّ إلى القاهرة. و في يوم الأربعاء خامس ربيع الأول اجتمعت بنائب السلطنة بدار السعادة و سألته عن جواب المطالعة، فذكر لي أنه جاء المرسوم الشريف السلطاني بعمل الشواني و المراكب لغزو قبرص، و قتال الفرنج و للَّه الحمد و المنة. و أمر نائب السلطنة بتجهيز القطاعين و النشارين من دمشق إلى الغابة التي بالقرب من بيروت، و أن يشرع في عمل الشواني في آخر يوم من هذا الشهر، و هو يوم الجمعة. و فتحت دار القرآن التي وقفها الشريف التعادانى إلى جانب حمام الكاس، شمالي المدرسة البادرائية، و عمل فيها وظيفة حديث و حضر واقفها يومية قاضى القضاة تاج الدين السبكى انتهى و اللَّه أعلم.