البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦ - وقعة قازان
ثم ترك المناصب و حج و جاور بمكة، ثم قدم دمشق فأقام بها دون السنة و مات، توفى يوم الجمعة ثامن و عشرين ذي الحجة، و صلى عليه بعد الجمعة بالجامع، و دفن بتربتهم بسفح قاسيون، و عمل عزاؤه بالصاحبية.
ياقوت بن عبد اللَّه
أبو الدر المستعصمي الكاتب، لقبه جمال الدين، و أصله رومي، كان فاضلا مليح الخط مشهورا بذلك، كتب ختما حسانا، و كتب الناس عليه ببغداد، و توفى بها في هذه السنة، و له شعر رائق، فمنه ما أورده البرزالي في تاريخه عنه:
تجدد الشمس شوقي كلما طلعت* * * إلى محياك يا سمعي و يا بصرى
و أسهر الليل في أنس بلا ونس* * * إذ طيب ذكراك في ظلماته يسرى
و كل يوم مضى لا أراك به* * * فلست محتسبا ماضيه من عمري
ليلى نهار إذا ما درت في خلدي* * * لأن ذكرك نور القلب و البصر
ثم دخلت سنة تسع و تسعين و ستمائة
و فيها كانت وقعة قازان، و ذلك أن هذه السنة استهلت و الخليفة و السلطان هما المذكوران في التي قبلها، و نائب مصر سلار، و نائب الشام آقوش الأفرم، و سائر الحكام هم المذكورون في التي قبلها، و قد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، و قد خاف الناس من ذلك خوفا شديدا، و جفل الناس من بلاد حلب و حماة، و بلغ كرى الخيل من حماة إلى دمشق نحو المائتي درهم، فلما كان يوم الثلاثاء ثانى المحرم ضربت البشائر بسبب خروج السلطان من مصر قاصدا الشام، فلما كان يوم الجمعة ثامن ربيع الأول دخل السلطان إلى دمشق في مطر شديد و وحل كثير، و مع هذا فرج الناس لتلقيه، و كان قد أقام بغزة قريبا من شهرين، و ذلك لما بلغه قدوم التتار إلى الشام، فتهيأ لذلك و جاء فدخل دمشق فنزل بالطارمة، و زينت له البلد، و كثرت له الأدعية و كان وقتا شديدا، و حالا صعبا، و امتلأ البلد من الجافلين النازحين عن بلادهم، و جلس الأعسر وزير الدولة و طالب العمال و اقترضوا أموال الأيتام و أموال الأسرى لأجل تقوية الجيش، و خرج السلطان بالجيش من دمشق يوم الأحد سابع عشر ربيع الأول و لم يتخلف أحد من الجيوش، و خرج معهم خلق كثير من المتطوعة، و أخذ الناس في الدعاء و القنوت في الصلوات بالجامع و غيره، و تضرعوا و استغاثوا و ابتهلوا إلى اللَّه بالأدعية.
وقعة قازان
لما وصل السلطان إلى وادي الخزندار عند وادي سلمية، فالتقى التتر هناك يوم الأربعاء السابع و العشرين من ربيع الأول فالتقوا معهم فكسروا المسلمين و ولى السلطان هاربا ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و قتل جماعة من الأمراء و غيرهم و من العوام خلق كثير، و فقد في المعركة قاضى قضاة