البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣ - أوائل وقعة شقحب
و الكرك و الحصون المنيعة، و تأخر مجيء العساكر المصرية عن إبانها فاشتد لذلك الخوف. و في شهر رجب باشر نجم الدين بن أبى الطيب نظر الخزانة عوضا عن أمين الدين سليمان، و في يوم السبت ثالث شعبان باشر مشيخة الشيوخ بعد ابن جماعة القاضي ناصر الدين عبد السلام، و كان جمال الدين الزرعى يسد الوظيفة إلى هذا التاريخ. و في يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة و على أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين، و في هذا اليوم بعينه كانت وقعة غرض و ذلك أنه التقى جماعة من أمراء الإسلام فيهم استدمر و بهادر أخى و كجكن و غرلو العادلى، و كل منهم سيف من سيوف الدين في ألف و خمسمائة فارس، و كان التتار في سبعة آلاف فاقتتلوا و صبر المسلمون صبرا جيدا، فنصرهم اللَّه و خذل التتر، فقتلوا منهم خلقا و أسروا آخرين، و ولوا عند ذلك مدبرين، و غنم المسلمون منهم غنائم، و عادوا سالمين لم يفقد منهم إلا القليل ممن أكرمه اللَّه بالشهادة، و وقعت البطاقة بذلك، ثم قدمت الأسارى يوم الخميس نصف شعبان، و كان يوم خميس النصارى
أوائل وقعة شقحب
و في ثامن عشر قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين فيهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و الأمير حسام الدين لاجين المعروف بالاستادار المنصوري، و الأمير سيف الدين كراى المنصوري، ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير سلاح و أيبك الخزندار فقويت القلوب و اطمأن كثير من الناس، و لكن الناس في جفل عظيم من بلاد حلب و حماة و حمص و تلك النواحي و تقهقر الجيش الحلبي و الحموي إلى حمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتر فجاءوا فنزلوا المرج يوم الأحد خامس شعبان، و وصل التتار إلى حمص و بعلبكّ و عاثوا في تلك الأراضي فسادا، و قلق الناس قلقا عظيما، و خافوا خوفا شديدا، و اختبط البلد لتأخر قدوم السلطان ببقية الجيش، و قال الناس لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم، و إنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة. و تحدث الناس بالاراجيف فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور بالميدان و تحالفوا على لقاء العدو، و شجعوا أنفسهم، و نودي بالبلد أن لا يرحل أحد منه، فسكن الناس و جلس القضاة بالجامع و حلفوا جماعة من الفقهاء و العامة على القتال، و توجه الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيعة فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء و الناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك و حلفوا معهم، و كان الشيخ تقى الدين بن تيمية يحلف للامراء و الناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء اللَّه، فيقول إن شاء اللَّه تحقيقا لا تعليقا. و كان يتأول في ذلك أشياء من كتاب اللَّه منها قوله تعالى. ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ و قد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو، فإنهم يظهرون الإسلام و ليسوا