البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر اللَّه
صارت مثل العصي، و لم يعهد مثل هذا، و في هذا الشهر عقد مجلس لليهود الخيابرة و ألزموا بأداء الجزية أسوة أمثالهم من اليهود، فأحضروا كتابا معهم يزعمون أنه من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بوضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبينوا أنه مكذوب مفتعل لما فيه من الألفاظ الركيكة، و التواريخ المحبطة، و اللحن الفاحش، و حاققهم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، و بين لهم خطأهم و كذبهم، و أنه مزور مكذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية، و خافوا من أن تستعاد منهم الشئون الماضية.
قلت: و قد وقفت أنا على هذا الكتاب فرأيت فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، و قد توفى سعد قبل ذلك بنحو من سنتين، و فيه: و كتب على بن أبى طالب. و هذا لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين على، لأن علم النحو إنما أسند إليه من طريق أبى الأسود الدؤلي عنه، و قد جمعت فيه جزءا مفردا، و ذكرت ما جرى فيه أيام القاضي الماوردي، و كتاب أصحابنا في ذلك العصر، و قد ذكره في الحاوي و صاحب الشامل في كتابه و غير واحد، و بينوا خطأه و للَّه الحمد و المنة.
و في هذا الشهر ثار جماعة من الحسدة على الشيخ تقى الدين بن تيمية و شكوا منه أنه يقيم الحدود و يعزر و يحلق رءوس الصبيان، و تكلم هو أيضا فيمن يشكو منه ذلك، و بين خطأهم، ثم سكنت الأمور. و في ذي القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أياما بسبب فتح أماكن من بلاد سيس عنوة، ففتحها المسلمون و للَّه الحمد. و فيه قدم عز الدين بن ميسر على نظر الدواوين عوضا عن ابن مزهر. و في يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة حضر عبد السيد بن المهذب ديان اليهود إلى دار العدل و معه أولاده فأسلموا كلهم، فأكرمهم نائب السلطنة و أمر أن يركب بخلعة و خلفه الدبادب تضرب و البوقات إلى داره، و عمل ليلتئذ ختمة عظيمة حضرها القضاة و العلماء، و أسلم على يديه جماعة كبيرة من اليهود، و خرجوا يوم العيد كلهم يكبرون مع المسلمين، و أكرمهم الناس إكراما زائدا.
و قدمت رسل ملك التتار في سابع عشر ذي الحجة فنزلوا بالقلعة و سافروا إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام و بعد مسيرهم بيومين مات أرجواش، و بعد موته بيومين قدم الجيش من بلاد سيس و قد فتحوا جانبا منها، فخرج نائب السلطنة و الجيش لتلقيهم، و خرج الناس للفرجة على العادة، و فرحوا بقدومهم و نصرهم.
و ممن توفى فيها من الأعيان
أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر اللَّه
أبو العباس أحمد بن المسترشد باللَّه الهاشمي العباسي البغدادي المصري، بويع بالخلافة بالدولة الظاهرية في أول سنة إحدى و ستين و ستمائة، فاستكمل أربعين سنة في الخلافة، و توفى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، و صلى عليه وقت صلاة العصر بسوق الخيل، و حضر جنازته الأعيان و الدولة كلهم مشاة. و كان قد عهد بالخلافة إلى ولده المذكور أبى الربيع سليمان.