البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - وفاة الملك الصالح إسماعيل
المذكورون أيضا. و في يوم الجمعة سادس عشر محرم كملت عمارة الجامع الّذي بالمزة الفوقانية الّذي جدده و أنشأه الأمير بهاء الدين المرجاني، الّذي بنى والده مسجد الخيف بمنى و هو جامع حسن متسع فيه روح و انشراح، تقبل اللَّه من بإنية، و عقدت فيه الجمعة بجمع كثير و جم غفير من أهل المزة، و من حضر من أهل البلد، و كنت أنا الخطيب- يعنى الشيخ عماد الدين المصنف تغمده اللَّه برحمته- و للَّه الحمد و المنة. و وقع كلام و بحث في اشتراط المحلل في المسابقة، و كان سببه أن الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صنف فيه مصنفا من قبل ذلك، و نصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقى الدين بن تيمية في ذلك، ثم صار يفتى به جماعة من الترك و لا يعزوه إلى الشيخ تقى الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنه قوله و هو مخالف للأئمة الأربعة، فحصل عليه إنكار في ذلك، و طلبه القاضي الشافعيّ، و حصل كلام في ذلك، و انفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الموافقة للجمهور.
وفاة الملك الصالح إسماعيل
في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر من هذه السنة أظهر موت السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الناصر بن المنصور آخر النهار، و كان قد عهد بالأمر إلى أخيه لأبويه الملك الكامل سيف الدين أبى الفتوح شعبان، فجلس على سرير المملكة يوم الخميس رابعه، و كان يوما مشهودا، ثم قدم الخبر إلى دمشق عشية الخميس ليلة الجمعة الثاني عشر منه، و كان البريد قد انقطع عن الشام نحو عشرين يوما للشغل بمرض السلطان، فقدم الأمير سيف الدين معزا للبيعة للملك الكامل، فركب عليه الجيش لتلقيه، فلما كان صبيحة الجمعة أخذت البيعة من النائب و المقدمين و بقية الأمراء و الجند للسلطان الملك الكامل بدار السعادة، و دقت البشائر و زين البلد و خطب الخطباء يومئذ للملك الكامل، جعله اللَّه وجها مباركا على المسلمين.
و في صبيحة يوم الاثنين الثاني و العشرين من ربيع الآخر درس القاضي جمال الدين حسين ابن قاضى القضاة تقى الدين السبكى الشافعيّ بالمدرسة الشامية البرانية، نزل له أبوه عنها، و استخرج له مرسوما سلطانيا بذلك، فحضر عنده القضاة و الأعيان و جماعة من الأمراء و الفقهاء، و جلس بين أبيه و القاضي الحنفي، و أخذ في الدرس في قوله تعالى. وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الآيات. و تكلم الشريف مجد الدين المتكلم في الدرس بكلام فيه بكارة و بشاعة، فشنع عليه الحاضرون، فاستتيب بعد انقضاء الدرس و حكم بإسلامه، و قد طلب إلى الديار المصرية نائب دمشق الأمير سيف الدين تغردمر و هو متمرض، انقطع عن الجمعة بسبب المرض مرات، و البريد يذهب إلى حلب لمجيء نائبها الأمير سيف الدين يلبغا لنيابة دمشق، و ذكر أن الحاج أرقطيه تعين لنيابة حلب. و في يوم الجمعة رابع جمادى الاولى