البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
للصلاة عليه فصلى عليه خارج باب النصر حيث يصلى على الجنائز، و ذهبوا به إلى نحو القبلة، و رام بعض أهله أن يدفن في تربة غبريال إلى جانب جامع القبيبات، فلم يمكن ذلك، فدفن قبلي الجامع على حافة الطريق، و لم يتهيأ دفنه إلا إلى بعد الظهر من يومئذ، و عملوا عنده ختمة ليلة الجمعة (رحمه اللَّه) و سامحه.
و اشتهر في أوائل هذا الشهر أن الحصار عمال على الكرك، و أن أهل الكرك خرجت طائفة منهم فقتل منهم خلق كثير، و قتل من الجيش واحد في الحصار، فنزل القاضي و جماعة و معهم شيء من الجوهر، و تراضوا على أن يسلموا البلد، فلما أصبح أهل الحصن تحصنوا و نصبوا المجانيق و استعدوا فلما كان بعد أيام رموا منجنيق الجيش فكسروا السهم الّذي له، و عجزوا عن نقله فحرقوه برأي أمراء المقدمين، و جرت أمور فظيعة، فاللَّه يحسن العاقبة.
ثم وقعت في أواخر هذا الشهر بين الجيش و أهل الكرك وقعة أخرى، و ذلك أن جماعة من رجال الكرك خرجوا إلى الجيش و رموهم بالنشاب فخرج الجيش لهم من الخيام و رجعوا مشاة ملبسين بالسلاح فقتلوا من أهل الكرك جماعة من النصارى و غيرهم، و جرح من العسكر خلق، و قتل واحد أو اثنان و أسر الأمير سيف الدين أبو بكر بن بهادر آص، و قتل أمير العرب، و أسر آخرون فاعتقلوا بالكرك، و جرت أمور منكرة، ثم بعدها تعرض العسكر راجعين إلى بلادهم لم ينالوا مرادهم منها، و ذلك أنهم رقهم البرد الشديد و قلة الزاد، و حاصروا أولئك شديدا بلا فائدة فان البلد بريد متطاولة و مجانيق، و يشق على الجيش الاقامة هناك في كوانين، و المنجنيق الّذي حملوه معهم كسر، فرجعوا ليتأهّبوا لذلك.
و لما كان في يوم الأربعاء الخامس و العشرين منه قدم من الديار المصرية على البريد القاضي بدر الدين بن فضل اللَّه كاتبا على السر عوضا عن أخيه القاضي شهاب الدين، و معه كتاب بالاحتياط على حواصل أخيه شهاب الدين، و على حواصل القاضي عماد الدين ابن الشيرازي المحتسب، فاحتيط على أموالهما و أخرج من في ديارهما من الحرم، و ضربت الأخشاب على الأبواب، و رسم على المحتسب بالعذراوية، فسأل أن يحول إلى دار الحديث الأشرفية فحول إليها. و أما القاضي شهاب الدين، فكان قد خرج ليلتقى الأمير سيف الدين تغردمر الحموي، الّذي جاء تقليده بنيابة الشام بدمشق و كان بحلب، و جاء هذا الأمر و هو في أثناء الطريق، فرسم برجعته ليصادر هو و المحتسب، و لم يدر الناس ما ذنبهما.
و في يوم الأحد ثامن شهر رجب آخر النهار رجع قاضى القضاة تقى الدين السبكى إلى دمشق على القضاء، و معه تقليد بالخطابة أيضا، و ذهب الناس اليه للسلام عليه، و دخل نائب السلطنة