البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
أفخاذهما بعضهما ببعض، و ركب كل واحد منهما و دخل في الآخر و التحمت فصارت جثة واحدة و هما ميتان، فقالوا أحدهما ذكر و الآخر أنثى، و هما ميتان حال رؤيتي إليهما. و قالوا إنه تأخر موت أحدهما عن الآخر بيومين أو نحوهما، و كتب بذلك محضر جماعة من الشهود.
و في هذا اليوم احتيط على أربعة من الأمراء و هم أبناء الكامل صلاح الدين محمد، أمير طبلخانات، و غياث الدين محمد أمير عشرة، و علاء الدين على، و ابن أيبك الطويل طبلخانات أيضا، و صلاح الدين خليل بن بلبان طرنا طبلخانات أيضا. و ذلك بسبب أنهم اتهموا على ممالأة الملك أحمد بن الناصر الّذي في الكرك، و مكاتبته، و اللَّه أعلم بحالهم، فقيدوا و حملوا إلى القلعة المنصورة من باب اليسر مقابل باب دار السعادة الثلاث الطبلخانات و الغياث من بابها الكبير و فرق بينهم في الأماكن. و خرج المحمل يوم الخميس خامس عشره و لبس الخطيب ابن الجلال خلعة استقرار الخطابة في هذا اليوم، و ركب بها مع القضاة على عادة الخطباء.
و في هذا الشهر نصب المنجنيق الكبير على باب الميدان الأخضر و طول أكتافه ثمانية عشر ذراعا، و طول سهمه سبعة و عشرون ذراعا، و خرج الناس للفرجة عليه، و رمى به في يوم السبت حجرا زنته ستين رطلا، فبلغ إلى مقابلة القصر من الميدان الكبير، و ذكر معلم المجانيق أنه ليس في حصون الإسلام مثله، و أنه عمله الحاج محمد الصالحي ليكون بالكرك، فقدر اللَّه أنه خرج ليحاصر به الكرك، فاللَّه يحسن العاقبة. و في أواخره أيضا مسك أربعة أمراء، و هم أقبغا عبد الواحد الّذي كان مباشرا الاستدارية للملك الناصر الكبير، فصودر في أيام ابنه المنصور، و أخرج إلى الشام فناب بحمص فسار سيرة غير مرضية، و ذمه الناس و عزل عنها و أعطى تقدمة ألف بدمشق، و جعل رأس الميمنة، فلما كان في هذه الأيام اتهم بممالأة السلطان أحمد بن الناصر الّذي بالكرك، فمسك و حمل إلى القلعة و معه الأمير سيف الدين بلو، و الأمير سيف الدين سلامش، و كلهم بطبلخانات فرفعوا إلى القلعة المنصورة، فاللَّه يحسن العاقبة.
و في هذا الشهر خرج قضاء حمص عن نيابة دمشق بمرسوم سلطاني مجدد للقاضي شهاب الدين البارزي، و ذلك بعد مناقشة كثيرة وقعت بينه و بين قاضى القضاة تقى الدين السبكى، و انتصر له بعض الدولة، و استخرج له المرسوم المذكور. و فيه أيضا أفرد قضاء القدس الشريف أيضا باسم القاضي شمس الدين بن سالم الّذي كان مباشرها مدة طويلة قبل ذلك نيابة، ثم عزل عنها و بقي مقيما ببلده غزة، ثم أعيد إليها مستقلا بها في هذا الوقت. و في هذا الشهر رجع القاضي شهاب الدين ابن فضل اللَّه من الديار المصرية و معه توقيع بالمرتب الّذي كان له أولا كل شهر ألف درهم، و أقام بعمارته التي أنشأها بسفح قاسيون شرقى الصالحية بقرب حمام النحاس.