البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - ذكر أمر غريب جدا
من ستين سنة، و قد كان أصابه في نوبة أرغون شاه و قضيته ضربة أصابت يده اليمنى، و استمر مع ذلك على إمرته و تقدمته محترما معظما إلى أن توفى رحمة اللَّه تعالى عليه.
ذكر أمر غريب جدا
لما ذهبت لتهنئة الأمير ناصر الدين ابن الأقوس بنيابة بعلبكّ وجدت هنالك شابا فذكر لي من حضر أن هذا هو الّذي كان أنثى ثم ظهر له ذكر، و قد كان أمره اشتهر ببلاد طرابلس، و شاع بين الناس بدمشق و غير ذلك، و تحدث الناس به، فلما رأيته و عليه قبعة تركية استدعيته إلى و سألته بحضرة من حضر، فقلت له: كيف كان أمرك؟ فاستحيى و علاه خجل يشبه النساء، فقال: كنت امرأة مدة خمس عشرة سنة، و زوجوني بثلاثة أزواج لا يقدرون على، و كلهم يطلق ثم اعترضني حال غريب فغارت ثدياي و صغرت، و جعل النوم يعتريني ليلا و نهارا، ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليل قليلا، و يتزايد حتى برز شبه ذكر و أنثيان، فسألته أ هو كبير أم صغير؟ فاستحيى ثم ذكر أنه صغير بقدر الأصبع، فسألته هل احتلم؟ فقال احتلم مرتين منذ حصل له ذلك، و كان له قريبا من ستة أشهر إلى حين أخبرنى، و ذكر أنه يحسن صنعة النساء كلها من الغزل و التطريز و الزركاش و غير ذلك، فقلت له ما كان اسمك و أنت على صفة النساء؟ فقال: نفيسة، فقلت: و اليوم؟
فقال عبد اللَّه، و ذكر أنه لما حصل له هذا الحال كتمه عن أهله حتى عن أبيه، ثم عزموا على تزويجه على رابع فقال لأمه إن الأمر ما صفته كيت و كيت، فلما اطلع أهله على ذلك أعلموا به نائب السلطنة هناك، و كتب بذلك محضرا و اشتهر أمره، فقدم دمشق و وقف بين يدي نائب السلطنة بدمشق، فسأله فأخبره كما أخبرنى، فأخذه الحاجب سيف الدين كحلن ابن الأقوس عنده و ألبسه ثياب الأجناد، و هو شاب حسن، على وجهه و سمته و مشيته و حديثه أنوثة النساء، فسبحان الفعال لما يشاء، فهذا أمر لم يقع مثله في العالم إلا قليلا جدا، و عندي أن ذكره كان غائرا في جوزة طير فافرخا [١] ثم لما بلغ ظهر قليلا قليلا، حتى تكامل ظهوره فتبينوا أنه كان ذكرا، و ذكر لي أن ذكره برز مختونا فسمى ختان القمر، فهذا يوجد كثيرا و اللَّه أعلم.
و في يوم الثلاثاء خامس شهر رجب قدم الأمير عز الدين بقطية الدويدار من الديار الحلبية و خبر عما اتفق عليه العساكر الحلبية من ذهابهم مع نائبهم و نواب تلك الحصون و عساكر خلف بن زلغادر التركماني، الّذي كان أعان يلبغا و ذويه على خروجه على السلطان، و قدم معه إلى دمشق و كان من أمره ما تقدم بسطه في السنة الماضية، و أنهم نهبوا أمواله و حواصله، و أسروا خلقا من بنيه و ذويه و حريمه، و أن الجيش أخذ شيئا كثيرا من الأغنام و الأبقار و الرقيق و الدواب و الأمتعة و غير ذلك، و أنه لجأ إلى ابن أرطنا فاحتاط عليه و اعتقله عنده، و راسل السلطان بأمره ففرح الناس
[١] كذا بالأصل.