البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - قضية القاضي ابن جملة
درهم، و استدعى من غزة ناظرها جمال الدين يوسف صهر السنى المستوفي، فباشر نظر ديوان النائب و نظر المارستان النوري أيضا على العادة.
و في شهر ربيع الأول أمر تنكز بإصلاح باب توما فشرع فيه فرفع بابه عشرة أذرع، و جددت حجارته و حديدة في أسرع وقت، و في هذا الوقت حصل بدمشق سيل خرب بعض الجدران ثم تناقص، و في أوائل ربيع الآخر قدم من مصر جمال الدين آقوش نائب الكرك مجتازا إلى طرابلس نائبها عوضا عن قرطا، توفى. و في جمادى الأولى طلب القاضي شهاب الدين ابن المجد عبد اللَّه إلى دار السعادة فولى وكالة بيت المال عوضا عن ابن القلانسي، و وصل تقليده من مصر بذلك، و هنأه الناس. و فيه طلب الأمير نجم الدين ابن الزيبق من ولاية نابلس فولى شد الدواوين بدمشق، و قد شغر منصبه شهورا بعد ابن الخشاب. و في رمضان خطب الشيخ بدر الدين أبو اليسر ابن الصائغ بالقدس عوضا عن زين الدين ابن جماعة لإعراضه عنها و اختياره العود إلى بلده.
قضية القاضي ابن جملة
لما كان في العشر الأخير من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة و بين الشيخ الظهير شيخ ملك الأمراء- و كان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء- فوقع بينهما منافسة و محاققة في أمور كانت بينه و بين الدوادار المتقدم ذكره ناصر الدين، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف به الأخر عليه، و تفاصلا من دار السعادة في المسجد، فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادلية أرسل إليه الشيخ الظهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة، و ذلك عن مرسوم النائب، و كأنه كان خديعة في الباطن و إظهارا لنصرة القاضي عليه في الظاهر، فبدر به القاضي بادى الرأى فعزره بين يديه، ثم خرج من عنده فتسلمه أعوان ابن جملة فطافوا به البلد على حمار يوم الأربعاء سابع عشرين رمضان، و ضربوه ضربا عنيفا، و نادوا عليه: هذا جزاء من يكذب و يفتات على الشرع، فتألم الناس له لكونه في الصيام. و في العشر الأخير من رمضان، و يوم سبع و عشرين، و هو شيخ كبير صائم، فيقال: إنه ضرب يومئذ ألفين و مائة و إحدى و سبعين درة و اللَّه أعلم، فما أمسى حتى استفتى على القاضي المذكور و داروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب، فلما كان يوم تاسع عشرين رمضان عقد نائب السلطنة بين يديه بدار السعادة مجلسا حافلا بالقضاة و أعيان المفتين من سائر المذاهب، و أحضر ابن جملة قاضى الشافعية و المجلس قد احتفل بأهله، و لم يأذنوا لابن جملة في الجلوس، بل قام قائما ثم أجلس بعد ساعة جيدة في طرف الحلقة، إلى جانب المحفة التي فيها الشيخ الظهير، و ادعى عليه عند بقية القضاة أنه حكم فيه لنفسه، و اعتدى عليه في العقوبة، و أفاض الحاضرون في ذلك، و انتشر الكلام و فهموا من نفس النائب الحط على ابن جملة، و الميل عنه بعد أن كان إليه، فما انفصل المجلس حتى حكم القاضي