البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٦ - ثم دخلت سنة تسع و أربعين و سبعمائة
في السواحل و غيرها من أرجاء البلاد يتوهمون و يخافون وقوعه بمدينة دمشق، حماها اللَّه و سلمها، مع أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء. و في صبيحة يوم تاسعه اجتمع الناس بمحراب الصحابة و قرءوا متوزعين سورة نوح ثلاثة آلاف مرة و ثلاثمائة و ثلاثة و ستين مرة، عن رؤيا رجل أنه رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أرشده إلى قراءة ذلك كذلك. و في هذا الشهر أيضا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين و زاد الأموات كل يوم على المائة، فانا للَّه و إنا إليه راجعون، و إذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، و لكنه بالنظر إلى كثرة أهل البلد قليل، و قد توفى في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير و جم غفير، و لا سيما من النساء، فان الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، و شرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات و الدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، و حصل للناس بذلك خضوع و خشوع و تضرع و إنابة، و كثرت الأموات في هذا الشهر جدا، و زادوا على المائتين في كل يوم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و تضاعف عدد الموتى منهم، و تعطلت مصالح الناس، و تأخرت الموتى عن إخراجهم، و زاد ضمان الموتى جدا فتضرر الناس و لا سيما الصعاليك، فإنه يؤخذ على الميت شيء كثير جدا، فرسم نائب السلطنة بإبطال ضمان النعوش و المغسلين و الحمالين، و نودي بإبطال ذلك في يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر، و وقف نعوش كثيرة في أرجاء البلد و اتسع الناس بذلك، و لكن كثرت الموتى فاللَّه المستعان.
و في يوم الاثنين الثالث و العشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام و أن يخرجوا في اليوم الرابع و هو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرعون إلى اللَّه و يسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس و نام الناس في الجامع و أحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان، فلما أصبح الناس يوم الجمعة السابع و العشرين منه خرج الناس يوم الجمعة من كل فج عميق، و اليهود و النصارى و السامرة، و الشيوخ و العجائز و الصبيان، و الفقراء و الأمراء و الكبراء و القضاة من بعد صلاة الصبح فما زالوا هنالك يدعون اللَّه تعالى حتى تعالى النهار جدا، و كان يوما مشهودا.
و في يوم الخميس عاشر جمادى الأولى صلى الخطيب بعد صلاة الظهر على ستة عشر ميتا جملة واحدة، فتهول الناس من ذلك و انذعروا، و كان الوباء يومئذ كثيرا ربما يقارب الثلاثمائة بالبلد و حواضره ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و صلى بعد صلاة على خمسة عشر ميتا بجامع دمشق، و صلى على إحدى عشر نفسا (رحمهم اللَّه).
و في يوم الاثنين الحادي و العشرين منه رسم نائب السلطنة بقتل الكلاب من البلد، و قد كانت كثيرة بأرجاء البلد و ربما ضرت الناس و قطعت عليهم الطرقات في أثناء الليل أما تنجيسها الأماكن