البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٧ - فتح باب كيسان بعد غلقه نحوا من مائتي سنة
و في مستهل جمادى الأولى ولى قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فتحت بدرب القلبي، و كانت دارا لوافقها جمال الدين عبد اللَّه بن محمد بن عيسى التدمري، الّذي كان أستاذا للأمير طاز، و جعل فيها درس للحنابلة، و جعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن قيم الجوزية، و حضر الدرس و حضر عنده بعض الحنابلة بالدرس، ثم جرت أمور يطول بسطها. و استحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدرس و استفرد كلا منهم و سأله كيف شهد في أصل الكتاب- المحضر- الّذي أثبتوا عليهم، فاضطربوا في الشهادات فضبط ذلك عليهم، و فيه مخالفة كبيرة لما شهدوا به في أصل المحضر، و شنع عليهم كثير من الناس، ثم ظهرت ديون كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التدمري الواقف، و طلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي، فتوقف في ذلك. و في يوم الاثنين الحادي و العشرين منه، قرئ كتاب لسلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الأربعة فصرفوا.
و في شهر جمادى الآخرة توفى الشيخ شمس الدين شيخ الحنابلة بالصالحية و يعرف بالبيرى يوم الخميس ثامنه، صلى عليه بالجامع المظفري بعد العصر و دفن بالسفح و قد قارب الثمانين.
و في الرابع عشر منه عقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الأربعة و جماعة من المفتين، و طلبت فحضرت معهم بسبب المدرسة التدمرية و قرابة الواقف و دعواهم أنه وقف عليهم الثلث، فوقف الحنبلي في أمرهم و دافعهم عن ذلك أشد الدفاع.
و في العشر الأول من رجب وجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد و تراكم و تضاعف و تفاقم الأمر بسببه، و سد الأرض كثرة و عاث يمينا و شمالا، و أفسد شيئا كثيرا من الكروم و المقانى و الزروعات النفيسة، و أتلف للناس شيئا كثيرا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في يوم الاثنين ثالث شعبان توجه القضاة و وكيل بيت المال إلى باب كيسان فوقفوا عليه و على هيئته و من نية نائب السلطنة فتحه ليتفرج الناس به. و عدم للناس غلات كثيرة و أشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
فتح باب كيسان بعد غلقه نحوا من مائتي سنة
و في يوم الأربعاء السادس و العشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة و القضاة عند باب كيسان، و شرع الصناع في فتحه عن مرسوم السلطان الوارد من الديار المصرية، و أمر نائب السلطنة و إذن القضاة في ذلك، و استهل رمضان و هم في العمل فيه.
و في العشر الأخير من شعبان توفى الشريف شمس الدين محمد بن على بن الحسن بن حمزة الحسيني المحدث المحصل، المؤلف لاشياء مهمة، و في الحديث قرأ و سمع و جمع و كتب أسماء رجال