البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٤ - ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
من ثلثه الّذي وصى به، و فتحت مدرسة و حول لها شباك إلى الطريق في ضفتها القبلية منها، و حضر الدرس بها في هذا اليوم الشيخ عماد الدين بن شرف الدين بن عم الشيخ كمال الدين بن الزملكانى بوصية الواقف له بذلك، و حضر عنده قاضى القضاة السبكى و المالكي و جماعة من الأعيان، و أخذ في قوله تعالى ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها الآية. و اتفق في ليلة الأحد السادس و العشرين من جمادى الأولى أنه لم يحضر أحد من المؤذنين على السدة في جامع دمشق وقت إقامة الصلاة للمغرب سوى مؤذن واحد، فانتظر من يقيم معه الصلاة فلم يجئ أحد غيره مقدار درجة أو أزيد منها، فأقام هو الصلاة وحده، فلما أحرم الامام بالصلاة تلاحق المؤذنون في أثناء الصلاة حتى بلغوا دون العشرة، و هذا أمر غريب من عدة ثلاثين مؤذن أو أكثر، لم يحضر سوى مؤذن واحد، و قد أخبر خلق من المشايخ أنهم لم يروا نظير هذه الكائنة.
و في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة اجتمع القضاة بمشهد عثمان، و كان الفاضل الحنبلي قد حكم في دار المعتمد الملاصقة لمدرسة الشيخ أبى عمر يلبغا، و كانت وقفا، لتضاف إلى دار القرآن، و وقف عليها أوقاف للفقراء، فمنعه الشافعيّ من ذلك، من أجل أنه يؤول أمرها أن تكون دار حديث ثم فتحوا بابا آخر و قالوا: هذه الدار لم يستهدم جميعها، و ما صادف الحكم محلا، لأن مذهب الامام أحمد أن الوقف يباع إذا استهدم بالكلية، و لم يبق ما ينتفع به، فحكم القاضي الحنفي بإثباتها وقفا كما كانت، و نفذه الشافعيّ و المالكي، و انفصل الحال على ذلك، و جرت أمور طويلة، و أشياء عجيبة.
و في يوم الأربعاء السابع و العشرين من جمادى الآخرة أصبح بواب المدرسة المستجدة التي يقال لها الطيبانية إلى جانب أم الصالح مقتولا مذبوحا، و قد أخذت من عنده أموال من المدرسة المذكورة و لم يطلع على فاعل ذلك، و كان البواب رجلا صالحا مشكورا (رحمه اللَّه).
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
و في ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفى صاحبنا الشيخ الامام العلامة شمس الدين محمد بن أبى بكر بن أيوب الزرعى، إمام الجوزية، و ابن قيمها، و صلى عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي، و دفن عند والدته بمقابر الباب الصغير (رحمه اللَّه). ولد في سنة إحدى و تسعين و ستمائة و سمع الحديث و اشتغل بالعلم، و برع في علوم متعددة، لا سيما علم التفسير و الحديث و الأصلين، و لما عاد الشيخ تقى الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتى عشرة و سبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علما جما، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا و نهارا، و كثرة الابتهال. و كان حسن القراءة و الخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا و لا يؤذيه، و لا يستعيبه و لا يحقد على أحد، و كنت من أصحب الناس له و أحب