البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و سبعمائة
ليجروه إلى الجامع المذكور من السوق الكبير، و يخرجوا به من باب الجابية الكبير فلا إله إلا اللَّه.
و في أواخر شهر ربيع الآخر ارتفع بناء الجامع الّذي أنشأه النائب و جفت العين التي كانت تحت جداره حين أسسوه و للَّه الحمد.
و في سلخ ربيع الآخر وردت الأخبار من الديار المصرية بمسك جماعة من أعيان الأمراء كالحجازى و آقسنقر الناصري، و من لف لفهما، فتحرك الجند بالشام و وقعت خبطة، ثم استهل شهر جمادى الأولى و الجند في حركة شديدة، و نائب السلطنة يستدعى الأمراء إلى دار السعادة بسبب ما وقع بالديار المصرية، و تعاهد هؤلاء على أن لا يؤذى أحد، و أن يكونوا يدا واحدة، و في هذا [اليوم] نحول ملك الأمراء من دار السعادة إلى القصر الأبلق و احترز لنفسه، و كذلك حاشيته. و في يوم الأربعاء الرابع عشر منه قدم أمير من الديار المصرية على البريد و معه كتاب من السلطان فيه التصريح بعزل ملك الأمراء يلبغا نائب الشام، فقرئ عليه بحضرة الأمراء بالقصر الأبلق، فتغمم لذلك و ساءه، و فيه طلبه إلى الديار المصرية على البريد ليولى نيابة الديار المصرية، و الظاهر أن ذلك خديعة له، فأظهر الامتناع، و أنه لا يذهب إلى الديار المصرية أبدا، و قال: إن كان السلطان قد استكثر على ولاية دمشق فيولينى أي البلاد شاء، فأنا راض بها. و رد الجواب بذلك، و لما أصبح من الغد و هو يوم الخميس و هو خامس عشره، ركب فخيم قريبا من الجسورة في الموضع الّذي خيم فيه عام أول، و في الشهر أيضا كما تقدم، فبات ليلة الجمعة و أمر الأمراء بنصب الخيام هنالك على عادتهم عام أول.
فلما كان يوم الجمعة سادس عشره بعد الصلاة ما شعر الناس إلا و الأمراء قد اجتمعوا تحت القلعة و أحضروا من القلعة سنجقين سلطانيين أصفرين، و ضربوا الطبول حربيا، فاجتمعوا كلهم تحت السنجق السلطاني، و لم يتأخر منهم سوى النائب و ذويه كابنيه و إخوته و حاشيته، و الأمير سيف الدين قلاوون أحد مقدمي الألوف و خبره أكبر أخبار الأمراء بعد النيابة، فبعث إليه الأمراء أن هلم إلى السمع و الطاعة للسلطان، فامتنع من ذلك و تكررت الرسل بينهم و بينه فلم يقبل، فساروا إليه في الطبلخانات و البوقات ملبسين لأمة الحرب، فلما انتهوا إليه وجدوه قد ركب خيوله ملبسا و استعد للهرب، فلما واجههم هرب هو و من معه و فروا فرار رجل واحد، و ساق الجند وراءه فلم يكتنفوا له غبارا، و أقبل العامة و تركمان القبيبات، فانتهبوا ما بقي في معسكره من الشعير و الأغنام و الخيام، حتى جعلوا يقطعون الخيام و الأطناب قطعا قطعا، فعدم له و لأصحابه من الأمتعة ما يساوى ألف ألف درهم، و انتدب لطلبه و المسير وراءه الحاجب الكبير الّذي قدم من الديار المصرية قريبا شهاب الدين بن صبح، أحد مقدمي الألوف، فسار على طريق الأشرفية ثم عدل إلى ناحية القريتين.
و لما كان يوم الأحد قدم الأمير فخر الدين إياس نائب صغد فيها فتلقاه الأمراء و المقدمون، ثم