البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - عجيبة من عجائب الدهر
البشائر بالقلاع الشامية و لا غيرها فيما بلغنا. و جاءت الكتب و الأخبار من الديار المصرية بأن يوم الاثنين عاشر شوال كان إجلاس السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد على سرير المملكة، صعد هو و الخليفة الحاكم بأمر اللَّه أبو العباس أحمد بن المستكفي فوق المنبر، و هما لابسان السواد، و القضاة تحتهما على درج المنبر بحسب منازلهم، فخطب الخليفة، و خلع الأشرف كجك و ولى هذا الناصر، و كان يوما مشهودا، و أظهر ولايته لطشتمر نيابة مصر، و الفخرى دمشق، و آيدغمش حلب فاللَّه أعلم، و دقت البشائر بدمشق ليلة الجمعة الحادي و العشرين من الشهر المذكور، و استمرت إلى يوم الاثنين مستهل ذي القعدة، و زينت البلد يوم الأحد ثالث عشرين منه، و احتفل الناس بالزينة.
و في يوم الخميس المذكور دخل الأمير سيف الدين الملك أحد الرءوس المشهورة بمصر إلى دمشق في طلب نيابة حماة حرسها اللَّه تعالى، فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة ورد البريد من الديار المصرية فأخبر أن طشتمر الحمص الأخضر مسك، فتعجب الناس من هذه الكائنة كثيرا، فخرج من بدمشق من أعيان الأمراء أمير الحج و غيره و خيم بوطأة برزة و خرج إلى الحج أمير فأخبره بذلك و أمروه عن مرسوم السلطان أن ينوب بدمشق حتى يأتى المرسوم بما يعتمد أمير الحج فأجاب إلى ذلك، و ركب في الموكب يوم السبت السادس منه، و أما الفخرى فإنه لما تنسم هذا الخبر و تحققه و هو بالزعقة فر في طائفة من مماليكه قريب من ستين أو أكثر، فاحترق و ساق سوقا حثيثا و جاءه الطلب من ورائه من الديار المصرية في نحو من ألف فارس، صحبة الأميرين: الطنبغا المارداني، و يبلغا التحناوى، ففاتهما و سبق و اعترض له نائب غزة في جنده فلم يقدر عليه، فسلطوا عليه العشيرات ينهبوه فلم يقدروا عليه إلا في شيء يسير، و قتل منهم خلقا، و قصد نحو صاحبه فيما يزعم الأمير سيف الدين إيدغمش نائب حلب راجيا منه أن ينصره و أن يوافقه على ما قام بنفسه، فلما وصل أكرمه و أنزله، و بات عنده، فلما أصبح قبض عليه و قيده و رده على البريد إلى الديار المصرية، و معه التراسيم من الأمراء و غيرهم.
و لما كان يوم الاثنين سلخ ذي القعدة خرج السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن الناصر محمد بن المنصور من الديار المصرية في طائفة من الجيش قاصدا إلى الكرك المحروس، و معه أموال جزيلة، و حواصل و أشياء كثيرة، فدخلها يوم الثلاثاء من ذي الحجة و صحبته طشتمر في محفة ممرضا، و الفخرى مقيدا، فاعتقلا بالكرك المحروس، و طلب السلطان آلات من أخشاب و نحوها و حدادين و صناع و نحوها لإصلاح مهمات بالكرك، و طلب أشياء كثيرة من دمشق، فحملت إليه، و لما كان يوم الأحد السابع و العشرين من ذي الحجة ورد الخبر بأن الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي النائب بصعد ركب في مماليكه و خدمه و من أطاعه، و خرج منها فارا بنفسه من القبض